فهرس الكتاب

الصفحة 3515 من 6606

تحصيل المنفعة لغيرها ودفع المضرة عن غيرها كان ذلك أولى فإذا لم تكن قادرة على ذلك كانت عبادتها محض العبث والسفه ولما ذكر هذه الحجة الظاهرة بين أن الجاهل بمثل هذه الحجة يكون كالأعمى والعالم بها كالبصير والجهل بمثل هذه الحجة كالظلمات والعلم بها كالنور وكما أن كل أحد يعلم بالضرورة أن الأعمى لا يساوي البصير والظلمة لا تساوي النور كذلك كل أحد يعلم بالضرورة أن الجاهل بهذه الحجة لا يساوي العالم بها قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر وعمرو عن عاصم يَسْتَوِى الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ بالياء لأنها مقدمة على اسم الجمع والباقون بالتاء واختاره أبو عبيدة ثم أكد هذا البيان فقال أَمْ جَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاء خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ يعني هذه الأشياء التي زعموا أنها شركاء لله ليس لها خلق يشبه خلق الله حتى يقولوا إنها تشارك الله في الخالقية فوجب أن تشاركه في الإلهية بل هؤلاء المشركون يعلمون بالضرورة أن هذه الأصنام لم يصدر عنها فعل ألبتة ولا خلق ولا أثر وإذا كان الأمر كذلك كان حكمهم بكونها شركاء لله في الإلهية محض السفه والجهل وفي الآية مسائل

المسألة الأولى اعلم أن أصحابنا استدلوا بهذه الآية في مسألة خلق الأفعال من وجوه الأول أن المعتزلة زعموا أن الحيوانات تخلق حركات وسكنات مثل الحركات والسكنات التي يخلقها الله تعالى وعلى هذا التقدير فقد جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه ومعلوم أن الله تعالى إنما ذكر هذه الآية في معرض الذم والإنكار فدلت هذه الآية على أن العبد لا يخلق فعل نفسه قال القاضي نحن وإن قلنا إن العبد يفعل ويحدث إلا أنا لا نطلق القول بأنه يخلق ولو أطلقناه لم نقل إنه يخلق كخلق الله لأن أحدنا يفعل بقدرة الله وإنما يفعل لجلب منفعة ودفع مضرة والله تعالى منزه عن ذلك كله فثبت أن بتقدير كون العبد خالقًا إلا أنه لا يكون خلقه كخلق الله تعالى وأيضًا فهذا الإلزام لازم للمجبرة لأنهم يقولون عين ما هو خلق الله تعالى فهو كسب العبد وفعل له وهذا عين الشرك لأن الإله والعبد في خلق تلك الأفعال بمنزلة الشريكين اللذين لا مال لأحدهما إلا وللآخر فيه حق وأيضًا فهو تعالى إنما ذكر هذا الكلام عيبًا للكفار وذمًا لطريقتهم ولو كان فعل العبد خلقًا لله تعالى لما بقي لهذا الذم فائدة لأن للكفار أن يقولوا على هذا التقدير إن الله سبحانه وتعالى لما خلق هذا الكفر فينا فلم يذمنا عليه ولا ينسبنا إلى الجهل والتقصير مع أنه قد حصل فينا لا بفعلنا ولا باختيارنا

والجواب عن السؤال الأول أن لفظ الخلق إما أن يكون عبارة عن الإخراج من العدم إلى الوجود أو يكون عبارة عن التقدير وعلى الوجهين فبتقدير أن يكون العبد محدثًا فإنه لا بد وأن يكون حادثًا أما قوله والعبد وإن كان خالقًا إلا أنه ليس خلقه كخلق الله

قلنا الخلق عبارة عن الإيجاد والتكوين والإخراج من العدم إلى الوجود ومعلوم أن الحركة الواقعة بقدرة العبد لما كانت مثلًا للحركة الواقعة بقدرة الله تعالى كان أحد المخلوقين مثلًا للمخلوق الثاني وحينئذ يصح أن يقال إن هذا الذي هو مخلوق العبد مثل لما هو مخلوق لله تعالى بل لا شك في حصول المخالفة في سائر الاعتبارات إلا أن حصول المخالفة في سائر الوجوه لا يقدح في حصول المماثلة من هذا الوجه وهذا القدر يكفي في الاستدلال وأما قوله هذا لازم على المجبرة حيث قالوا إن فعل العبد مخلوق لله تعالى فنقول هذا غير لازم لأن هذه الآية دالة على أنه لا يجوز أن يكون خلق العبد مثلًا لخلق الله تعالى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت