واعلم أنه لا بد لهذا الكلام من جواب واختلفوا فيه على وجوه
الوجه الأول التقدير أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت كمن ليس بهذه الصفة وهي الأصنام التي لا تنفع ولا تضر وهذا الجواب مضمر في قوله تعالى وجعلوا لله شركاء والتقدير أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت كشركائهم التي لا تضر ولا تنفع ونظيره قوله تعالى أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور ربه الزمر 22 وما جاء جوابه لأنه مضمر في قوله فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله الزمر 22 فكذا ههنا قال صاحب الكشاف يجوز أن يقدر ما يقع خبرا للمبتدأ أو يعطف عليه قوله وجعلوا والتقدير أفمن هو بهذه الصفة لم يوحدوه ولم يمجدوه وجعلوا له شركاء
الوجه الثاني وهو الذي ذكره السيد صاحب حل العقد فقال نجعل الواو في قوله وجعلوا واو الحال ونضمر للمبتدأ خبرا يكون المبتدأ معه جملة مقررة لإمكان ما يقارنها من الحال والتقدير أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت موجود والحال أنهم جعلوا له شركاء ثم أقيم الظاهر وهو قوله لله مقام المضمر تقريرا للإلهية وتصريحا بها وهذا كما تقول جواد يعطي الناس ويغنيهم موجود ويحرم مثلي
واعلم أنه تعالى لما قرر هذه الحجة زاد في الحجاج فقال قل سموهم وإنما يقال ذلك في الأمر المستحقر الذي بلغ في الحقارة إلى أن لا يذكروا ولا يوضع له اسم فعند ذلك يقال سمه إن شئت يعني أنه أخس من أن يسمى ويذكر ولكنك إن شئت أن تضع له اسما فافعل فكأنه تعالى قال سموهم بالآلهة على سبيل التهديد والمعنى سواء سميتموهم بهذا الاسم أو لم تسموهم به فإنها في الحقارة بحيث لا تستحق أن يلتفت العاقل إليها ثم زاد في الحجاج فقال أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض والمراد أتقدرون على أن تخبروه وتعلموه بأمر تعلمونه وهو لا يعلمه وإنما خص الأرض بنفي الشريك عنها وإن لم يكن شريك البتة لأنهم ادعوا أن له شركاء في الأرض لا في غيرها أم بظاهر من القول يعني تموهون بإظهار قول لا حقيقة له وهو كقوله تعالى ذلك قولهم بأفواههم التوبة 30 ثم إنه تعالى بين بعد هذا الحجاج سوء طريقتهم فقال على وجه التحقير لما هم عليه بل زين للذين كفروا مكرهم قال الواحدي معنى بل ههنا كأنه يقول دع ذكر ما كنا فيه زين لهم مكرهم وذلك لأنه تعالى لما ذكر الدلائل على إفساد قولهم فكأنه يقول دع ذكر الدليل فإنه لا فائدة فيه لأنه زين لهم كفرهم ومكرهم فلا ينتفعون بذكر هذه الدلائل قال القاضي لا شبهة في أنه تعالى إنما ذكر ذلك لأجل أن يذمهم به وإذا كان كذلك امتنع أن يكون ذلك المزين هو الله بل لا بد وأن يكون إما شياطين الإنس وإما شياطين الجن
واعلم أن هذا التأويل ضعيف لوجوه الأول أنه لو كان المزين أحد شياطين الجن أو الأنس فالمزين في قلب ذلك الشيطان إن كان شيطانا آخر لزم التسلسل وإن كان هو الله فقد زال السؤال والثاني أن يقال القلوب لا يقدر عليها إلا الله والثالث أنا قد دللنا على أن ترجيح الداعي لا يحصل إلا من الله تعالى وعند حصوله يجب الفعل
أما قوله وصدوا عن السبيل فاعلم أنه قرأ عاصم وحمزة والكسائي وصدوا بضم الصاد وفي حم وصد عن السبيل غافر 37 على ما لم يسم فاعله بمعنى أن الكفار صدهم غيرهم وعند أهل السنة أن الله صدهم وللمعتزلة فيه وجهان قيل الشيطان وقيل أنفسهم وبعضهم لبعض كما يقال فلان معجب وإن