فهرس الكتاب
والقول الثاني ولا يزال كفار مكة تصيبهم بما صنعوا برسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من العداوة والتكذيب قارعة لأن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كان لا يزال يبعث السرايا فتغير حول مكة وتختطف منهم وتصيب مواشيهم أو تحل أنت يا محمد قريبا من دراهم بجيشك كما حل بالحديبية حتى يأتي وعد الله وهو فتح مكة وكان الله قد وعده ذلك
ثم قال إن الله لا يخلف الميعاد والغرض منه تقوية قلب الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) وإزالة الحزن عنه قال القاضي وهذا يدل على بطلان قول من يجوز الخلف على الله تعالى في ميعاده وهذه الآية وإن كانت واردة في حق الكفار إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب إذ بعمومه يتناول كل وعيد ورد في حق الفساق
وجوابنا أن الحلف غيرن وتخصيص العموم غير ونحن لا نقول بالخلف ولكنا نخصص عمومات الوعيد بالآيات الدالة على العفو
وقوله تعالى
ولقد استهزئ برسل من قبلك فأمليت للذين كفروا ثم أخذتهم فكيف كان عقاب أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت وجعلوا لله شركاء قل سموهم أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض أم بظاهر من القول بل زين للذين كفروا مكرهم وصدوا عن السبيل ومن يضلل الله فما له من هاد لهم عذاب في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أش وما لهم من واق
اعلم أن القول لما طلبوا سائر المعجزات من الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) على سبيل الاستهزاء والسخرية وكان ذلك يشق على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وكان يتأذى من تلك الكلمات فالله تعالى أنزل هذه الآية تسلية له وتصبيرا له على سفاهة قومه فقال له إن أقوام سائر الأنبياء استهزؤا بهم كمت أن قومك يستهزئون بك فأمليت للذين كفروا أي أطلت لهم المدة بتأخير العقوبة ثم أخذتهم فكيف كان عقابي لهم
واعلم أني سأنتقم من هؤلاء الكفار كما انمتقمت من أولئك المتقدمين والإملاء الإمهال وأن يتركوا مدة من الزمان في خفض وأمن كالبهيمة يملى لها في المرعى وهذا وعيد لهم وجواب عن اقتراحهم الآيات على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) على سبيل الاستهزاء ثم إنه تعالى أورد على المشركين ما يجري مجرى الحجاج وما يكون توبيخا لهم وتعجيبا من عقولهم فقال أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت والمعنى أنه تعالى قادر على كل الممكنات عالم بجميع المعلومات من الجزيئات والكليات وإذا كان كذلك كان عالما بجميع أحوال النفوس وقادرا على تحصيل مطالبها من تحصيل المنافع ودفع المضار ومن إيصال الثواب إليها على كل الطاعات وإيصال العقاب إليها على كل المعاصي وهذا هو المراد من قوله قائم على كل نفس بما كسبت وما ذاك إلا الحق سبحانه ونظيره قوله تعالى قائما بالقسط آل عمران 18