فهرس الكتاب

الصفحة 3594 من 6606

الاجتناب من عبادة الأصنام فما الفائدة في هذا السؤال والصحيح عندي في الجواب وجهان الأول أنه عليه السلام وإن كان يعلم أنه تعالى يعصمه من عبادة الأصنام إلا أنه ذكر ذلك هضمًا للنفس وإظهارًا للحاجة والفاقة إلى فضل الله في كل المطالب والثاني أن الصوفية يقولون إن الشرك نوعان شرك جلي وهو الذي يقول به المشركون وشرك خفي وهو تعليق القلب بالوسايط وبالأسباب الظاهرة والتوحيد المحض هو أن ينقطع نظره عن الوسايط ولا يرى متصرفًا سوى الحق سبحانه وتعالى فيحتمل أن يكون قوله وَاجْنُبْنِى وَبَنِى َّ أَن نَّعْبُدَ الاْصْنَامَ المراد منه أن يعصمه عن هذا الشرك الخفي والله أعلم بمراده

والجواب عن السؤال الثالث من وجوه الأول قال صاحب ( الكشاف ) قوله ( وبني ) أراد بنيه من صلبه والفائدة في هذا الدعاء عين الفائدة التي ذكرناها في قوله وَاجْنُبْنِى والثاني قال بعضهم أراد من أولاده وأولاد أولاده كل من كانوا موجودين حال الدعاء ولا شبهة أن دعوته مجابة فيهم الثالث قال مجاهد لم يعبد أحد من ولد إبراهيم عليه السلام صنمًا والصنم هو التمثال المصور ما ليس بمصور فهو وثن وكفار قريش ما عبدوا التمثال وإنما كانوا يعبدون أحجارًا مخصوصة وأشجارًا مخصوصة وهذا الجواب ليس بقوي لأنه عليه السلام لا يجوز أن يريد بهذا الدعاء إلا عبادة غير الله تعالى والحجر كالصنم في ذلك الرابع أن هذا الدعاء مختص بالمؤمنين من أولاده والدليل عليه أنه قال في آخر الآية فَمَن تَبِعَنِى فَإِنَّهُ مِنّى وذلك يفيد أن من لم يتبعه على دينه فإنه ليس منه ونظيره قوله تعالى لنوح إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ( هود 46 ) والخامس لعله وإن كان عمم في الدعاء إلا أن الله تعالى أجاب دعاءه في حق البعض دون البعض وذلك لا يوجب تحقير الأنبياء عليهم السلام ونظيره قوله تعالى في حق إبراهيم عليه السلام قَالَ إِنّى جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرّيَّتِى قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ( البقرة 124 )

المسألة الثالثة احتج أصحابنا بقوله وَاجْنُبْنِى وَبَنِى َّ أَن نَّعْبُدَ الاْصْنَامَ على أن الكفر والإيمان من الله تعالى وتقرير الدليل أن إبراهيم عليه السلام طلب من الله أن يجنبه ويجنب أولاده من الكفر فدل ذلك على أن التبعيد من الكفر والتقريب من الإيمان ليس إلا من الله تعالى وقول المعتزلة إنه محمول على الألطاف فاسد لأنه عدول عن الظاهر ولأنا قد ذكرنا وجوهًا كثيرة في إفساد هذا التأويل

ثم حكى الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام أنه قال رَبّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مّنَ النَّاسِ واتفق كل الفرق على أن قوله أَضْلَلْنَ مجاز لأنها جمادات والجماد لا يفعل شيئًا ألبتة إلا أنه لما حصل الإضلال عند عبادتها أضيف إليها كما تقول فتنتهم الدنيا وغرتهم أي افتتنوا بها واغتروا بسببها

ثم قال فَمَن تَبِعَنِى فَإِنَّهُ مِنّى يعني من تبعني في ديني واعتقادي فإنه مني أي جار مجرى بعضي لفرط اختصاصه بي وقربه مني ومن عصاني في غير الدين فإنك غفور رحيم واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن إبراهيم عليه السلام ذكر هذا الكلام والغرض منه الشفاعة في حق أصحاب الكبائر من أمته والدليل عليه أن قوله وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ صريح في طلب المغفرة والرحمة لأولئك العصاة فنقول أولئك العصاة إما أن يكونوا من الكفار أو لا يكونوا كذلك والأول باطل من وجهين الأول أنه عليه السلام بين في مقدمة هذه الآية أنه مبرأ عن الكفار وهو قوله وَاجْنُبْنِى وَبَنِى َّ أَن نَّعْبُدَ الاْصْنَامَ وأيضًا قوله فَمَن تَبِعَنِى فَإِنَّهُ مِنّى يدل بمفهومه على أن من لم يتبعه على دينه فإنه ليس منه ولا يهتم باصلاح مهماته والثاني أن الأمة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت