فهرس الكتاب

الصفحة 3595 من 6606

مجمعة على أن الشفاعة في إسقاط عقاب الكفر غير جائزة ولما بطل هذا ثبت أن قوله وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ شفاعة في العصاة الذين لا يكونون من الكفار

وإذا ثبت هذا فنقول تلك المعصية إما أن تكون من الصغائر أو من الكبائر بعد التوبة أو من الكبائر قبل التوبة والأول والثاني باطلان لأن قوله وَمَنْ عَصَانِى اللفظ فيه مطلق فتخصيصه بالصغيرة عدول عن الظاهر وأيضًا فالصغائر والكبائر بعد التوبة واجبة الغفران عند الخصوم فلا يمكن حمل اللفظ عليه فثبت أن هذه الآية شفاعة في إسقاط العقاب عن أهل الكبائر قبل التوبة وإذا ثبت حصول هذه الشفاعة في حق إبراهيم عليه السلام ثبت حصولها في حق محمد ( صلى الله عليه وسلم ) لوجوه الأول أنه لا قائل بالفرق والثاني وهو أن هذا المنصب أعلى المناصب فلو حصل لإبراهيم عليه السلام مع أنه غير حاصل لمحمد ( صلى الله عليه وسلم ) لكان ذلك نقصانًا في حق محمد عليه السلام والثالث أن محمدًا ( صلى الله عليه وسلم ) مأمور بالاقتداء بإبراهيم عليه السلام لقوله تعالى أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ( الأنعام 90 ) وقوله ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّة َ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا فهذا وجه قريب في إثبات الشفاعة لمحمد ( صلى الله عليه وسلم ) وفي إسقاط العقاب عن أصحاب الكبائر والله أعلم

إذا عرفت هذا فلنذكر أقوال المفسرين قال السدي معناه ومن عصاني ثم تاب وقيل إن هذا الدعاء إنما كان قبل أن يعلم أن الله تعالى لا يغفر الشرك وقيل من عصاني بإقامته على الكفر فإنك غفور رحيم يعني أنك قادر على أن تغفر له وترحمه بأن تنقله عن الكفر إلى الإسلام وقيل المراد من هذه المغفرة أن لا يعاجلهم بالعقاب بل يمهلهم حتى يتوبوا أو يكون المراد أن لا تعجل اخترامهم فتفوتهم التوبة واعلم أن هذه الوجوه ضعيفة

أما الأول وهو حمل هذه الشفاعة على المعصية بشرط التوبة فقد أبطلناه

وأما الثاني وهو قوله إن هذه الشفاعة إنما كانت قبل أن يعلم أن الله لا يغفر الشرك فنقول هذا أيضًا بعيد لأنا بينا أن مقدمة هذه الآية تدل على أنه لا يجوز أن يكون مراد إبراهيم عليه السلام من هذا الدعاء هو الشفاعة في إسقاط عقاب الكفر

وأما الثالث وهو قوله المراد من كونه غَفُورًا رَّحِيمًا أن ينقله من الكفر إلى الإيمان فهو أيضًا بعيد لأن المغفرة والرحمة مشعرة بإسقاط العقاب ولا إشعار فيهما بالنقل من صفة الكفر إلى صفة الإيمان والله أعلم

وأما الرابع وهو أن تحمل المغفرة والرحمة على تعجيل العقاب أو ترك تعجيل الإمانة فنقول هذا باطل لأن كفار زماننا هذا أكثر منهم ولم يعاجلهم الله تعالى بالعقاب ولا بالموت مع أن أهل الإسلام متفقون على أنهم ليسوا مغفورين ولا مرحومين فبطل تفسير المغفرة والرحمة على ترك تعجيل العقاب بهذا الوجه وظهر بما ذكرنا صحة ما قررناه من الدليل والله أعلم

رَّبَّنَآ إِنَّى أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلواة َ فَاجْعَلْ أَفْئِدَة ً مَّنَ النَّاسِ تَهْوِى إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِى وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِن شَى ْءٍ فَى الأرض وَلاَ فِى السَّمَآءِ الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِى وَهَبَ لِى عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّى لَسَمِيعُ الدُّعَآءِ رَبِّ اجْعَلْنِى مُقِيمَ الصَّلواة ِ وَمِن ذُرِّيَتِى رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَآءِ رَبَّنَا اغْفِرْ لِى وَلِوَالِدَى َّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت