فهرس الكتاب

الصفحة 3684 من 6606

ولقائل أن يقول هذا يشكل من وجوه الأول أن هذا التعليل إما أن يذكر مع تسليم كون الأرض والماء ثقيلة بالطبع أو مع المنع من هذا الأصل ومع القول بأن حركات هذه الأجسام بطباعها أو ليست بطباعها بل هي واقعة بتخليق الفاعل المختار أما على التقدير الأول فهذا التعليل مشكل لأن على هذا الأصل لا شك أن الأرض أثقل من الماء والأثقل من الماء يغوص في الماء ولا يبقى طافيًا عليه وإذا لم يبق طافيًا عليه امتنع أن يقال إنها تميد وتميل وتضطرب وهذا بخلاف السفينة لأنها متخذة من الخشب وفي داخل الخشب تجويفات مملوءة من الهواء فلهذا السبب تبقى الخشبة طافية على الماء فحينئذ تضطرب وتميد وتميل على وجه الماء فإذا أرسيت بالأجسام الثقيلة استقرت وسكنت فظهر الفرق وأما على التقدير الثاني وهو أن يقال ليس للأرض ولا للماء طبائع توجب الثقل والرسوب والأرض إنما تنزل لأن الله تعالى أجرى عادته بجعلها كذلك وإنما صار الماء محيطًا بالأرض لمجرد إجراء العادة وليس ههنا طبيعة للأرض ولا للماء توجب حالة مخصوصة فنقول فعلى هذا التقدير علة سكون الأرض هي أن الله تعالى يخلق فيها السكون وعلة كونها مائدة مضطربة هي أن الله تعالى يخلق فيها الحركة وعلى هذا التقدير فإنه يفسد القول بأن الأرض كانت مائلة فخلق الله الجال وأرساها عليها لتبقى ساكنة لأن هذا إنما يصح إذا كان طبيعة الأرض توجب الميدان وطبيعة الجبال توجب الإرساء والثبات ونحن إنما نتكلم الآن على تقدير نفي الطبائع الموجبة لهذه الأحوال فثبت أن هذا التعليل مشكل على كل التقديرات

السؤال الثاني هو أن إرساء الأرض بالجبال إنما يعقل لأجل أن تبقى الأرض على وجه الماء من غير أن تميد وتميل من جانب إلى جانب وهذا إنما يعقل إذا كان الماء الذي استقرت الأرض على وجهه واقفًا فنقول فما المقتضى لسكون ذلك الماء ووقوفه في حيزه المخصوص فإن قلت المقتضي لسكونه في ذلك الحيز المخصوص هو أن طبيعته المخصوصة توجب وقوفه في ذلك المعين فلم لا تقول مثله في الأرض وهو أن الطبيعة المخصوصة التي للأرض توجب وقوفها في ذلك الحيز المعين وذلك يفيد القول بأن الأرض إنما وقفت بسبب أن الله تعالى أرساها بالجبال فإن قلت المقتضى لسكون الماء في حيزه المعين هو أن الله تعالى سكن الماء بقدرته في ذلك الحيز المخصوص فلم لا تقول مثله في سكون الأرض وحينئذ يفسد هذا التعليل أيضًا

السؤال الثالث أن مجموع الأرض جسم عظيم فبتقدير أن تميد كليته وتضطرب على وجه البحر المحيط لم تظهر تلك الحالة للناس

فإن قيل أليس أن الأرض تحركها البخارات المحتقنة في داخلها عند الزلازل وتظهر تلك الحركات للناس فبم تنكرون على من يقول إنه لولا الجبال لتحركت الأرض إلا أنه تعالى لما أرساها بالجبال الثقال لم تقو الرياح على تحريكها

قلنا تلك البخارات إنما احتقنت في داخل قطعة صغيرة من الأرض فلما حصلت الحركة في تلك القطعة الصغيرة ظهرت تلك الحركة قال القائلون بهذا القول إن ظهور الحركة في تلك القطعة المعينة من الأرض يجري مجرى اختلاج يحصل في عضو معين من بدن الإنسان أما لو حركت كلية الأرض لم تظهر تلك الحركة ألا ترى أن الساكن في السفينة لا يحس بحركة كلية السفينة وإن كانت واقعة على أسرع الوجوه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت