فهرس الكتاب
على سبيل التمام والكمال وذلك يدل على أن شكر الخالق قاصر عن نعم الحق وعلى أن طاعات الخلق قاصرة عن ربوبية الحق وعلى أن معارف الخلق قاصرة عن كنه جلال الحق ومما يدل قطعًا على أن عقول الخلق قاصرة عن معرفة أقسام نعم الله تعالى أن كل جزء من أجزاء البدن الإنساني لو ظهر فيه أدنى خلل لتنغص العيش على الإنسان ولتمنى أن ينفق كل الدنيا حتى يزول عنه ذلك الخلل ثم إنه تعالى يدبر أحوال بدن الإنسان على الوجه الأكمل الأصلح مع أن الإنسان لا علم له بوجود ذلك الجزء ولا بكيفية مصالحه ولا بدفع مفاسده فليكن هذا المثال حاضرًا في ذهنك ثم تأمل في جميع ما خلق الله في هذا العالم من المعادن والنبات والحيوان وجعلها مهيأة لانتفاعك بها حتى تعلم أن عقول الخلق تفنى في معرفة حكمة الرحمن في خلق الإنسان فضلًا عن سائر وجوه الفضل والإحسان
فإن قيل فلما قررتم أن الاشتغال بالشكر موقوف على حصول العلم بأقسام النعم ودللتم على أن حصول العالم بأقسام النعم محال أو غير واقع فكيف أمر الله الخلق بالقيام بشكر النعم
قلنا الطريق إليه أن يشكر الله تعالى على جميع نعمه مفصلها ومجملها فهذا هو الطريق الذي به يمكن الخروج عن عهدة الشكر والله أعلم
المسألة الثانية قال بعضهم إنه ليس لله على الكفار نعمة وقال الأكثرون لله على الكافر والمؤمن نعم كثيرة والدليل عليه أن الإنعام بخلق السموات والأرض والإنعام بخلق الإنسان من النطفة والإنعام بخلق الإنعام ويخلق الخيل والبغال والحمير ويخلق أصناف النعم من الزرع والزيتون والنخيل والأعناب وبتسخير البحر ليأكل الإنسان منه لحمًا طريًا ويستخرج منه حلية يلبسها كل ذلك مشترك فيه بين المؤمن والكافر ثم أكد تعالى ذلك بقوله تعالى وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَة َ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا وذلك يدل على أن كل هذه الأشياء نعم من الله تعالى في حق الكل وهذا يدل على أن نعم الله واصلة إلى الكفار والله أعلم
أما قوله إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ اعلم أنه تعالى قال في سورة إبراهيم وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَة َ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ( إبراهيم 34 ) وقال ههنا إن الله لغفور رحيم ) والمعنى أنه لما بين أن الإنسان لا يمكنه القيام بأداء الشكر على سبيل التفصيل قال ( إن الله لغفور رحيم ) أي غفور للتقصير الصادر عنكم في القيام بشكر نعمه رحيم بكم حيث لم يقطع نعمه عليكم بسبب تقصيركم
أما قوله والله يعلم ما تسرون وما تعلنون ففيه وجهان الأول أن الكفار كانوا مع اشتغالهم بعبادة غير الله تعالى يسرون ضروبًا من الكفر في مكايد الرسول عليه السلام فجعل هذا زجرًا لهم عنها والثاني أنه تعالى زيف في الآية الأولى عبادة الأصنام بسبب أنه لا قدرة لها على الخلق والإنعام وزيف في هذه الآية أيضًا عبادتها بسبب أن الإله يجب أن يكون عالمًا بالسر والعلانية وهذه الأصنام جمادات لا معرفة لها بشيء أصلًا فكيف تحسن عبادتها
أما قوله وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ فاعلم أنه تعالى وصف هذه الأصنام بصفات كثيرة
فالصفة الأولى أنهم لا يخلقون شيئًا وهم يخلقون قرأ حفص عن عاصم يسرون ويعلنون ويدعون كلها بالياء على الحكاية عن الغائب وقرأ أبو بكر عن عاصم يَدَّعُونَ بالياء خاصة على المغايبة وتسرون