فهرس الكتاب
الجسمانية فالدابة اسم لكل حيوان جسماني يتحرك ويدب فلما بين الله تعالى الملائكة عن الدابة علمنا أنها ليست مما يدب بل هي أرواح محضة مجردة ويمكن الجواب عنه بأن الجناح للطيران مغاير للدبيب بدليل قوله تعالى وَمَا مِن دَابَّة ٍ فِى الاْرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ ( الأنعام 38 ) والله أعلم
أما قوله تعالى وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ففيه مسائل
المسألة الأولى المقصود من هذه الآية شرح صفات الملائكة وهي دلالة قاهرة قاطعة على عصمة الملائكة عن جميع الذنوب لأن قوله وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ يدل على أنهم منقادون لصانعهم وخالقهم وأنهم ما خالفوه في أمر من الأمور ونظيره قوله تعالى وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبّكَ ( مريم 64 ) وقوله لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ( الأنبياء 27 ) وأما قوله وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ فهذا أيضًا يدل على أنهم فعلوا كل ما كانوا مأمورين به وذلك يدل على عصمتهم عن كل الذنوب
فإن قالوا هب أن هذه الآية تدل على أنهم فعلوا كل ما أمروا به فلم قلتم إنها تدل على أنهم تركوا كل ما نهوا عنه
قلنا لأن كل ما نهي عن شيء فقد أمر بتركه وحينئذ يدخل في اللفظ وإذا ثبت بهذه الآية كون الملائكة معصومين من كل الذنوب وثبت أن إبليس ما كان معصومًا من الذنوب بل كان كافرًا لزم القطع بأن إبليس ما كان من الملائكة
والوجه الثاني في بيان هذا المقصود أنه تعالى قال في صفة الملائكة وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ ثم قال لإبليس أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ ( ص 75 ) وقال أيضًا له فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا ( الأعراف 13 ) فثبت أن الملائكة لا يستكبرون وثبت أن إبليس تكبر واستكبر فوجب أن لا يكون من الملائكة وأيضًا لما ثبت بهذه الآية وجوب عصمة الملائكة ثبت أن القصة الخبيثة التي يذكرونها في حق هاروت وماروت كلام باطل فإن الله تعالى وهو أصدق القائلين لما شهد في هذه الآية على عصمة الملائكة وبراءتهم عن كل ذنب وجب القطع بأن تلك القصة كاذبة باطلة والله أعلم واحتج الطاعنون في عصمة الملائكة بهذه الآية فقالوا إنه تعالى وصفهم بالخوف ولولا أنهم يجوزون على أنفسهم الإقدام على الكبائر والذنوب وإلا لم يحصل الخوف
والجواب من وجهين الأول أنه تعالى منذرهم من العقاب فقال وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنّى إِلَاهٌ مّن دُونِهِ فَذالِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ ( الأنبياء 29 ) وهم لهذا الخوف يتركون الذنب والثاني وهو الأصح أن ذلك الخوف خوف الإجلال هكذا نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما والدليل على صحته قوله تعالى إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء ( فاطر 28 ) وهذا يدل على أنه كلما كانت معرفة الله تعالى أتم كان الخوف منه أعظم وهذا الخوف لا يكون إلا خوف الإجلال والكبرياء والله أعلم
المسألة الثانية قالت المشبهة قوله تعالى يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مّن فَوْقِهِمْ هذا يدل على أن الإله تعالى فوقهم بالذات