فهرس الكتاب

الصفحة 3714 من 6606

واعلم أنا بالغنا في الجواب عن هذه الشبهة في تفسير قوله تعالى وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ( الأنعام 18 ) والذي نزيده ههنا أن قوله يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مّن فَوْقِهِمْ معناه يخافون ربهم من أن ينزل عليهم العذاب من فوقهم وإذا كان اللفظ محتملًا لهذا المعنى سقط قولهم وأيضًا يجب حمل هذه الفوقية على الفوقية بالقدرة والقهر كقوله وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ ( الأعراف 127 ) والذي يقوي هذا الوجه أنه تعالى لما قال يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مّن فَوْقِهِمْ وجب أن يكون المقتضى لهذا الخوف هو كون ربهم فوقهم لما ثبت في أصول الفقه أن الحكم المرتب على الوصف يشعر بكون الحكم معللًا بذلك الوصف

إذا ثبت هذا فنقول هذا التعطيل إنما يصح لو كان المراد بالفوقية الفوقية بالقهر والقدرة لأنها هي الموجبة للخوف أما الفوقية بالجهة والمكان فهي لا توجب الخوف بدليل أن حارس البيت فوق الملك بالمكان والجهة مع أنه أخس عبيده فسقطت هذه الشبهة

المسألة الثالثة دلت هذه الآية على أن الملائكة مكلفون من قبل الله تعالى وأن الأمر والنهي متوجه عليهم كسائر المكلفين ومتى كانوا كذلك وجب أن يكونوا قادرين على الخير والشر

المسألة الرابعة تمسك قوم بهذه الآية في بيان أن الملك أفضل من البشر في وجوه

الوجه الأول أنه تعالى قال وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الاْرْضِ مَن دَآبَّة ٍ وَالْمَلَئِكَة ُ وذكرنا أن تخصيص هذين النوعين بالذكر إنما يحسن إذا كان أحد الطرفين أخس المراتب وكان الطرف الثاني أشرفها حتى يكون ذكر هذين الطرفين منبهًا على الباقي وإذا كان كذلك وجب أن يكون الملائكة أشرف خلق الله تعالى

الوجه الثاني أن قوله تعالى وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ يدل على أنه ليس في قلوبهم تكبر وترفع وقوله وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ يدل على أن أعمالهم خالية عن الذنب والمعصية فمجموع هذين الكلامين يدل على أن بواطنهم وظواهرهم مبرأة عن الأخلاق الفاسدة والأفعال الباطلة وأما البشر فليسوا كذلك ويدل عليه القرآن والخبر أما القرآن فقوله تعالى قُتِلَ الإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ ( عبس 17 ) وهذا الحكم عام في الإنسان وأقل مراتبه أن تكون طبيعة الإنسان مقتضية لهذه الأحوال الذميمة وأما الخبر فقوله عليه السلام ( ما منا إلا وقد عصى أو هم بالمعصية غير يحيى بن زكريا ) ومن المعلوم بالضرورة أن المبرأ عن المعصية والهم بها أفضل ممن عصى أو هم بها

الوجه الثالث أنه لا شك أن الله تعالى خلق الملائكة قبل البشر بأدوار متطاولة وأزمان ممتدة ثم إنه وصفهم بالطاعة والخضوع والخشوع طول هذه المدة وطول العمر مع الطاعة يوجب مزيد الفضيلة لوجهين الأول قوله عليه السلام ( الشيخ في قومه كالنبي في أمته ) فضل الشيخ على الشاب وما ذاك إلا لأنه لما كان عمره أطول فالظاهر أن طاعته أكثر فكان أفضل والثاني أنه ( صلى الله عليه وسلم ) قال ( من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة فلما كان شروع الملائكة في الطاعات قبل شروع البشر فيها لزم أن يقال إنهم هم الذين سنوا هذه السنة الحسنة وهي طاعة الخالق القديم الرحيم والبشر إنما جاؤوا بعدهم واستنوا سنتهم فوجب بمقتضى هذا الخبر أن كل ما حصل للبشر من الثواب فقد حصل مثله للملائكة ولهم ثواب القدر الزائد من الطاعة فوجب كونهم أفضل من غيرهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت