فهرس الكتاب

الصفحة 3718 من 6606

اللفظة تفيد العموم وأيضا مما يدل على أن كل نعمة فهي من الله لأن كل ما كان موجودا فهو إما واجب لذاته وإما ممكن لذاته والواجب لذاته ليس إلا الله تعالى والممكن لذاته لا يوجد إلا لمرجح وذلك المرجح إن كان واجبا لذاته كان حصول ذلك الممكن بإيجاد الله تعالى وإن كان ممكنا لذاته عاد التقسيم الأول فيه ولا يذهب إلى التسلسل بل ينتهي إلى إيجاد الواجب لذاته فثبت بهذا البيان أن كل نعمة فهي من الله تعالى

المسألة الثالثة النعم إما دينية وإما دنيوية أما النعم الدينية فهي إما معرفة الحق لذاته وإما معرفة الخير لأجل العمل به وأما النعم الدنيوية فهي إما نفسانية وأما بدنية وإما خارجية وكل واحد من هذه الثلاثة جنس تحته أنواع خارجة عن الحصر والتحديد كما قال وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إبراهيم 34 والإشارة إلى تفصيل تلك الأنواع قد ذكرناها مرارا فلا نعيدها

المسألة الرابعة إنما دخلت الفاء في قوله فمن الله لأن الباء في قوله بكم متصلة بفعل مضمر والمعنى ما يمكن بكم أو ما حل بكم من نعمة فمن الله

ثم قال تعالى ثم إذا مسكم الضر قال ابن عباس يريد الأسقام والأمراض والحاجة فإليه تجأرون أي ترفعون أصواتكم بالاستغاثة وتتضرعون إليه بالدعاء يقال جأر يجأر جؤارا وهو الصوت الشديد كصوت البقرة وقال الأعشى يصف راهبا يراوح من صلوات المليك

طورا سجودا وطورا جؤارا

والمعنى أنه تعالى بين أن جميع النعم من الله تعالى ثم إذا اتفق لأحد مضرة توجب زوال شيء من تلك النعم فإلى الله يجأر أي لا يستغيث أحدا إلا الله تعالى لعلمه بأنه لا مفزع للخلق إلا هو فكأنه تعالى قال لهم فأين أنتم عن هذه الطريقة في حال الرخاء والسلامة ثم قال بعده ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون فبين تعالى أن عند كشف الضر وسلامة الأحوال يفترقون ففريق منهم يبقى على مثل ما كان عليه عند الضر في أن لا يفزع إلا إلى الله تعالى وفريق منهم عند ذلك يتغيرون فيشركون بالله غيره وهذا جهل وضلال لأنه لما شهدت فطرته الأصلية وخلقته الغريزية عند نزول البلاء والضراء والآفات والمخافات أن لا مفزع إلا إلى الواحد ولا مستغاث إلا الواحد فعند زوال البلاء والضراء وجب أن يبقى على ذلك الاعتقاد فأما أنه عند نزول البلاء يقر بأنه لا مستغاث إلا الله تعالى وعند زوال البلاء يثبت الأضداد والشركاء فهذا جعل عظيم وضلال كامل ونظير هذه الآية قوله تعالى فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون العنكبوت 65

ثم قال تعالى ليكفروا بما آتيناهم وفي هذه اللام وجهان الأول أنها لام كي والمعنى أنهم شركوا بالله غيره في كشف ذلك الضر عنهم وغرضهم منذلك الإشراك أن ينكروا كون ذلك الإنعام من الله تعالى ألا ترى أن العليل إذا اشتد وجعه تضرع إلى الله تعالى في إزالة ذلك الوجع فإذا زال أحال زواله على الدواء الفلاني والعلاج الفلاني وهذا أكثر أحوال الخلق وقال مصنف هذا الكتاب محمد بن عمر الرازي رحمه الله في اليوم الذي كنت أكتب هذه الأوراق وهو اليوم الأول من محرم سنة اثنتين وستمائة حصلت زلزلة شديدة وهدة عظيمة وقت الصبح ورأيت الناس يصيحون بالدعاء والتضرع فلما سكتت وطاب

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت