فهرس الكتاب

الصفحة 3729 من 6606

الضرع ويبقى الفرث كما هو فذاك هو قوله تعالى مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا لا يشوبه الدم ولا الفرث

ولقائل أن يقول الدم واللبن لا يتولدان ألبتة في الكرش والدليل عليه الحس فإن هذه الحيوانات تذبح ذبحًا متواليًا وما رأى أحد في كرشها لا دمًا ولا لبنًا ولو كان تولد الدم واللبن في الكرش لوجب أن يشاهد ذلك في بعض الأحوال والشيء الذي دلت المشاهدة على فساده لم يجز المصير إليه بل الحق أن الحيوان إذا تناول الغذاء وصل ذلك العلف إلى معدته إن كان إنسانًا وإلى كرشه إن كان من الأنعام وغيرها فإذا طبخ وحصل الهضم الأول فيه فما كان منه صافيًا انجذب إلى الكبد وما كان كثيفًا نزل إلى الأمعاء ثم ذلك الذي يحصل منه في الكبد ينطبخ فيها ويصير دمًا وذلك هو الهضم الثاني ويكون ذلك الدم مخلوطًا بالصفراء والسوداء وزيادة المائية أما الصفراء فتذهب إلى المرارة والسوداء إلى الطحال والماء إلى الكلية ومنها إلى المثانة وأما ذلك الدم فإنه يدخل في الأوردة وهي العروق النابتة من الكبد وهناك يحصل الهضم الثالث وبين الكبد وبين الضرع عروق كثيرة فينصب الدم في تلك العروق إلى الضرع والضرع لحم غددي رخو أبيض فيقلب الله تعالى الدم عند انصبابه إلى ذلك اللحم الغددي الرخو الأبيض من صورة الدم إلى صورة اللبن فهذا هو القول الصحيح في كيفية تولد اللبن

فإن قيل فهذه المعاني حاصلة في الحيوان الذكر فلم لم يحصل منه اللبن

قلنا الحكمة الإلهية اقتضت تدبير كل شيء على الوجه اللائق به الموافق لمصلحته فمزاج الذكر من كل حيوان يجب أن يكون حارًا يابسًا ومزاج الأنثى يجب أن يكون باردًا رطبًا والحكمة فيه أن الولد إنما يتكون في داخل بدن الأنثى فوجب أن تكون الأنثى مختصة بمزيد الرطوبات لوجهين الأول أن الولد إنما يتولد من الرطوبات فوجب أن يحصل في بدن الأنثى رطوبات كثيرة لتصير مادة التولد الولد والثاني أن الولد إذا كبر وجب أن يكون بدن الأم قابلًا للتمدد حتى يتسع لذلك الولد فإذا كانت الرطوبات غالبة على بدن الأم كان بدنها قابلًا للتمدد فيتسع للولد فثبت بما ذكرنا أنه تعالى خص بدن الأنثى من كل حيوان بمزيد الرطوبات لهذه الحكمة ثم إن الرطوبات التي كانت تصير مادة لازدياد بدن الجنين حين كان في رحم الأم فعند انفصال الجنين تنصب إلى الثدي والضرع ليصير مادة لغذاء ذلك الطفل الصغير

إذا عرفت هذا فاعلم أن السبب الذي إجله يتولد اللبن من الدم في حق الأنثى غير حاصل في حق الذكر فظهر الفرق

إذا عرفت هذا التصوير فنقول المفسرون قالوا المراد من قوله مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ هو أن هذه الثلاثة تتولد في موضع واحد فالفرث يكون في أسفل الكرش والدم يكون في أعلاه واللبن يكون في الوسط وقد دللنا على أن هذا القول على خلاف الحس والتجربة ولأن الدم لو كان يتولد في أعلى المعدة والكرش كان يجب إذاقاء أن يقيء الدم وذلك باطل قطعًا وأما نحن فنقول المراد من الآية هو أن اللبن إنما يتولد من بعض أجزاء الدم والدم إنما يتولد من الأجزاء اللطيفة التي في الفرث وهو الأشياء المأكولة الحاصلة في الكرش وهذا اللبن متولد من الأجزاء التي كانت حاصلة فيما بين الفرث أولًا ثم كانت حاصلة فيما بين الدم ثانيًا فصفاه الله تعالى عن تلك الأجزاء الكثيفة الغليظة وخلق فيها الصفات التي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت