فهرس الكتاب
كلما امتد الكلام في فصل من الفصول في وعيد الكفار عاد إلى تقرير الآلهيات وقد ذكرنا في أول هذه السورة أنه تعالى لما أراد ذكر دلائل الآلهيات ابتدأ بالأجرام الفلكية وثنى بالإنسان وثلث بالحيوان وربع بالنبات وخمس بذكر أحوال البحر والأرض فههنا في هذه الآية لما عاد إلى تقرير دلائل الإلهيات بدأ أولًا بذكر الفلكيات فقال وَاللَّهُ أَنزَلَ مِنَ الْسَّمَاء مَآء فَأَحْيَا بِهِ الاْرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا والمعنى أنه تعالى خلق السماء على وجه ينزل منه الماء ويصير ذلك الماء سببًا لحياة الأرض والمراد بحياة الأرض نبات الزرع والشجر والنور والثمر بعد أن كان لا يثمر وينفع بعد أن كان لا ينفع وتقرير هذه الدلائل قد ذكرناه مرارًا كثيرة
ثم قال إِنَّ فِى ذالِكَ لآيَة ً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ سماع إنصاف وتدبر لأن من لم يسمع بقلبه فكأنه أصم لم يسمع
والنوع الثاني من الدلائل المذكورة في هذه الآيات الاستدلال بعجائب أحوال الحيوانات وهو قوله وَإِنَّ لَكُمْ فِى الاْنْعَامِ لَعِبْرَة ً نُّسْقِيكُمْ مّمَّا فِى بُطُونِهِ قد ذكرنا معنى العبرة في قوله لَعِبْرَة ً لاِوْلِى الاْبْصَارِ ( آل عمران 13 ) وفيه مسائل
المسألة الأولى قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحفص عن عاصم وحمزة والكسائي نُّسْقِيكُمْ بضم النون والباقون بالفتح أما من فتح النون فحجته ظاهرة تقول سقيته حتى روى أسقيه قال تعالى وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا ( الإنسان 21 ) وقال وَالَّذِى هُوَ يُطْعِمُنِى وَيَسْقِينِ ( الشعراء 79 ) وقال وَسُقُواْ مَاء حَمِيمًا ( محمد 15 ) ومن ضم النون فهو من قولك أسقاه إذا جعل له شرابًا كقوله وَأَسْقَيْنَاكُم مَّاء فُرَاتًا ( المرسلات 27 ) وقوله فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ ( الحجر 22 ) والمعنى ههنا أنا جعلناه في كثرته وإدامته كالسقيا واختار أبو عبيد الضم قال لأنه شرب دائم وأكثر ما يقال في هذا المقام أسقيت
المسألة الثانية قوله 6 مما في بطونه الضمير عائد إلى الأنعام فكان الواجب أن يقال مما في بطونها وذكر النحويون فيه وجوهًا الأول أن لفظ الأنعام مفرد وضع لإفادة جمع كالرهط والقوم والبقر والنعم فهو بحسب اللفظ لفظ مفرد فيكون ضميره ضمير الواحد وهو التذكير وبحسب المعنى جمع فيكون ضميره ضمير الجمع وهو التأنيث فلهذا السبب قال ههنا الضمير عائد إلى الأنعام فكان الواجب أن يقال مما في بطونها وذكر النحويون فيه وجوهًا الأول أن لفظ الأنعام مفرد وضع لإفادة جمع كالرهط والقوم والبقر والنعم فهو بحسب اللفظ لفظ مفرد فيكون ضميره ضمير الواحد وهو التذكير وبحسب المعنى جمع فيكون ضميره ضمير الجمع وهو التأنيث فلهذا السبب قال ههنا فِى بُطُونِهِ وقال في سورة المؤمنين فِى بُطُونِهَا ( المؤمنون 21 ) الثاني قوله فِى بُطُونِهِ أي في بطون ما ذكرنا وهذا جواب الكسائي قال المبرد هذا شائع في القرآن قال تعالى فَلَماَّ رَأَى الشَّمْسَ كَوْكَبًا قَالَ هَاذَا رَبّى ( الأنعام 78 ) يعني هذا الشيء الطالع ربي وقال كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَة ٌ فَمَن شَاء ذَكَرَهُ ( المدثر 54 55 ) أي ذكر هذا الشيء
واعلم أن هذا إنما يجوز فيما يكون تأنيثه غير حقيقي أما الذي يكون تأنيثه حقيقيًا فلا يجوز فإنه لا يجوز في مستقيم الكلام أن يقال جاريتك ذهب ولا غلامك ذهب على تقدير أن نحمله على النسمة الثالث أن فيه إضمارًا والتقدير نسقيكم مما في بطونه اللبن إذ ليس كلها ذات لبن
المسألة الثالثة الفرث سرجين الكرش روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنه قال إذا استقر العلف في الكرش صار أسفله فرثًا وأعلاه دمًا وأوسطه لبنًا فيجري الدم في العروق واللبن في