فهرس الكتاب

الصفحة 3731 من 6606

يكون حارًا رطبًا وما فيه من المائية يكون باردًا رطبًا وما فيه من الجبنية يكون باردًا يابسًا وهذه الطبائع ما كانت حاصلة في ذلك العشب الذي تناولته الشاة فظهر بهذا أن هذه الأجسام لا تزال تنقلب من صفة إلى صفة ومن حالة إلى حالة مع أنه لا يناسب بعضها بعضًا ولا يشاكل بعضها بعضًا وعند ذلك يظهر أن هذه الأحوال إنما تحدث بتدبير فاعل حكيم رحيم يدبر أحوال هذا العالم على وفق مصالح العباد فسبحان من تشهد جميع ذرات العالم الأعلى والأسفل بكمال قدرته ونهاية حكمته ورحمته له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين

أما قوله سَآئِغًا لِلشَّارِبِينَ فمعناه جاريًا في حلوقهم لذيذًا هنيئًا يقال ساغ الشراب في الحلق وأساغه صاحبه ومنه قوله وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ ( إبراهيم 17 )

المسألة الخامسة قال أهل التحقيق اعتبار حدوث اللبن كما يدل على وجود الصانع المختار سبحانه فكذلك يدل على إمكان الحشر والنشر وذلك لأن هذا العشب الذي يأكله الحيوان إنما يتولد من الماء والأرض فخالق العالم دبر تدبيرًا فقلب ذلك الطين نباتًا وعشبًا ثم إذا أكله الحيوان دبر تدبيرًا آخر فقلب ذلك العشب دمًا ثم دبر تدبيرًا آخر فقلب ذلك الدم لبنًا ثم دبر تدبيرًا آخر فحدث من ذلك اللبن الدهن والجبن فهذا يدل على أنه تعالى قادر على أن يقلب هذه الأجسام من صفة إلى صفة ومن حالة إلى حالة فإذا كان كذلك لم يمتنع أيضًا أن يكون قادرًا على أن يقلب أجزاء أبدان الأموات إلى صفة الحياة والعقل كما كانت قبل ذلك فهذا الاعتبار يدل من هذا الوجه على أن البعث والقيامة أمر ممكن غير ممتنع والله أعلم

ثم قال تعالى وَمِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالاْعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا اعلم أنه تعالى لما ذكر بعض منافع الحيوانات في الآية المتقدمة ذكر في هذه الآية بعض منافع النبات وفيه مسائل

المسألة الأولى فإن قيل بم تعلق قوله وَمِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالاْعْنَابِ

قلنا بمحذوف تقديره ونسقيكم من ثمرات النخيل والأعناب أي من عصيرها وحذف لدلالة نسقيكم قبله عليه وقوله تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا بيان وكشف عن كنه الإسقاء

المسألة الثانية قال الواحدي الأعناب عطف على الثمرات لا على النخيل لأنه يصير التقدير ومن ثمرات الأعناب والعنب نفسه ثمرة وليست له ثمرة أخرى

المسألة الثالثة في تفسير السكر وجوه الأول السكر الخمر سميت بالمصدر من سكر سكرًا وسكرًا نحو رشد رشدًا ورشدًا وأما الرزق الحسن فسائر ما يتخذ من النخيل والأعناب كالرب والخل والدبس والتمر والزبيب

فإن قيل الخمر محرمة فكيف ذكرها الله في معرض الإنعام

أجابوا عنه من وجهين الأول أن هذه السورة مكية وتحريم الخمر نزل في سورة المائدة فكان نزول هذه الآية في الوقت الذي كانت الخمر فيه غير محرمة الثاني أنه لا حاجة إلى التزام هذا النسخ وذلك لأنه تعالى ذكر ما في هذه الأشياء من النافع وخاطب المشركين بها والخمر من أشربتهم فهي منفعة في حقهم ثم إنه تعالى نبه في هذه الآية أيضًا على تحريمها وذلك لأنه ميز بينها وبين الرزق الحسن في

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت