فهرس الكتاب
الذكر فوجب أن لا يكون السكر رزقًا حسنًا ولا شك أنه حسن بحسب الشهوة فوجب أن يقال الرجوع عن كونه حسنًا بحسب الشريعة وهذا إنما يكون كذلك إذا كانت محرمة
القول الثاني أن السكر هو النبيذ وهو عصير العنب والزبيب والتمر إذا طبخ حتى يذهب ثلثاه ثم يترك حتى يشتد وهو حلال عند أبي حنيفة رحمه الله إلى حد السكر ويحتج بأن هذه الآية تدل على أن السكر حلال لأنه تعالى ذكره في معرض الإنعام والمنة ودل الحديث على أن الخمر حرام قال عليه السلام ( الخمر حرام لعينها ) وهذا يقتضي أن يكون السكر شيئًا غير الخمر وكل من أثبت هذه المغايرة قال إنه النبيذ المطبوخ
والقول الثالث أن السكر هو الطعام قاله أبو عبيدة واحتج عليه بقول الشاعر
جعلت أعراض الكرام سكرًا
أي جعلت ذمهم طعامًا لك قال الزجاج هذا بالخمر أشبه منه بالطعام والمعنى أنك جعلت تتخمر بأغراض الكرام والمعنى أنه جعل شغفه بغيبة الناس وتمزيق أعراضهم جاريًا مجرى شرب الخمر
واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه الوجوه التي هي دلائل من وجه وتعديد للنعم العظيمة من وجه آخر قال حَسَنًا إِنَّ فِى ذالِكَ لآيَة ً لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ والمعنى أن من كان عاقلًا علم بالضرورة أن هذه الأحوال لا يقدر عليها إلا الله سبحانه وتعالى فيحتج بحصولها على وجود الإله القادر الحكيم والله أعلم
وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِى مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ثُمَّ كُلِى مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِى سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِى ذالِكَ لآيَة ً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
اعلم أنه تعالى لما بين أن إخراج الألبان من النعم وإخراج السكر والرزق الحسن من ثمرات النخيل والأعناب دلائل قاهرة وبينات باهرة على أن لهذا العالم إلهًا قادرًا مختارًا حكيمًا فكذلك إخراج العسل من النحل دليل قاطع وبرهان ساطع على إثبات هذا المقصود وفي الآية مسائل
المسألة الأولى قوله وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ يقال وحى وأوحى وهو الإلهام والمراد من الإلهام أنه تعالى قرر في أنفسها هذه الأعمال العجيبة التي تعجز عنها العقلاء من البشر وبيانه من وجوه الأول أنها تبني البيوت المسدسة من أضلاع متساوية لا يزيد بعضها على بعض بمجرد طباعها والعقلاء من البشر لا يمكنهم بناء مثل تلك البيوت إلا بآلات وأدوات مثل المسطر والفرجار والثاني أنه ثبت في الهندسة أن تلك البيوت لو كانت مشكلة بأشكال سوى المسدسات فإنه يبقى بالضرورة فيما بين تلك البيوت فرج خالية ضائعة