فهرس الكتاب

الصفحة 3737 من 6606

أنها لا تكون زائدة على هذا القدر وهذا هو سن الوقوف وسن الشباب وغايته خمس سنين وعند تمامه يتم الأربعون

والحالة الثالثة أن تقل الرطوبات وتصير بحيث لا تكون وافية بحفظ الحرارة الغريزية وعند ذلك يظهر النقصان ثم هذا النقصان قد يكون خفيًا وهو سن الكهولة وتمامه إلى ستين سنة وقد يكون ظاهرًا وهو سن الشيخوخة وتمامه إلى مائة وعشرين سنة فهذا هو الذي حصله الأطباء في هذا الباب وعندي أن هذا التعليل ضعيف ويدل على ضعفه وجوه

الوجه الأول أنا نقول إن في أول ما كان المني منيًا وكان الدم مًا كانت الرطوبات غالبة وكانت الحرارة الغريزية مغمورة وكانت ضعيفة بهذا السبب ثم إنها مع ضعفها قويت على تحليل أكثر تلك الرطوبات وأبانتها من حد الدموية والمنوية إلى أن صارت عظمًا وغضروفًا وعصبًا ورباطًا وعندما تولدت الأعضاء وكمل البدن قلت الرطوبات فوجب أن تكون للحرارة الغريزية قوة أزيد مما كانت قبل ذلك فوجب أن يكون تحليل الرطوبات بعد تولد البدن وكماله أزيد من تحللها قبل تولد البدن ومعلوم أنه ليس الأمر كذلك لأن قبل تولد البدن انتقل جسم المني والدم إلى أن صار عظمًا وعصبًا وأما بعد تولد البدن فلم يحصل مثل هذا الانتقال ولا عشر عشره فلو كان تولد هذه الأعضاء بسبب تأثير الحرارة في الرطوبة لوجب أن يكون تحلل الرطوبات بعد كمال البدن أكثر من تحللها قبل تكون البدن ولما لم يكن الأمر كذلك علمنا أن تولد البدن إنما كان بتدبير قادر حكيم يدبر أبدان الحيوانات على وفق مصالحها وأنه ما كان تولد البدن لأجل ما قالوه من تأثير الحرارة في الرطوبة

والوجه الثاني في إبطال هذا الكلام أن نقول إن الحرارة الغريزية الحاصلة في بدن الإنسان الكامل إما أن تكون هي عين ما كان حاصلًا في جوهر النطفة أو صارت أزيد مما كانت والأول باطل لأن الحار الغريزي الحاصل في جوهر النطفة كان بمقدار جرم النفطة ولا شك أن جرم النطفة كان قليلًا صغيرًا فهذا البدن بعد كبره لو لم يحصل فيه من الحرارة الغريزية إلا ذلك القدر كان في غاية القلة ولم يظهر منه في هذا البدن أثر أصلًا وأما الثاني ففيه تسليم أن الحرارة الغريزية تتزايد بحسب تزايد الجثة والبدن وإذا تزايدت الحرارة الغريزية ساعة فساعة وثبت أن تزايدها يوجب تزايد القوة والصحة ساعة فساعة فوجب أن يبقى البدن الحيواني أبدًا في التزايد والتكامل وحيث لم يكن الأمر كذلك علمنا أن ازدياد حال البدن الحيواني وانتقاصه ليس بحسب الطبيعة بل بسبب تدبير الفاعل المختار

والوجه الثالث وهو الذي أوردناه على الأطباء في ( كتابنا الكبير في الطب ) فقلنا هي أن الرطوبة الغريزية صارت معادلة للحرارة الغريزية فلم قلتم إن الحرارة الغريزية يجب أن تصير أقل مما كانت وأن ينتقل الإنسان من سن الشباب إلى سن النقصان قالوا السبب فيه أنه إذا حصل هذا الاستواء فالحرارة الغريزية بعد ذلك تؤثر في تخفيف الرطوبة الغريزية فتقل الرطوبات الغريزية حتى صارت بحيث لا تقي بحفظ الحرارة الغريزية وإذا حصلت هذه الحالة ضعفت الحرارة الغريزية أيضًا لأن الرطوبة الغريزية كالغذاء للحرارة الغريزية فإذا قل الغذاء ضعف المغتذي فالحاصل أن الحرارة الغريزية توجب قلة الرطوبة الغريزية وقلتها توجب ضعف الحرارة الغريزية ويلم من ضعف إحداهما ضعف الأخرى إلى أن تنتهي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت