فهرس الكتاب

الصفحة 3738 من 6606

إلى حيث لا يبقى من الرطوبة الغريزية شيء وحينئذ تنطفىء الحرارة الغريزية ويحصل الموت هذا منتهى ما قالوه في هذا الباب وهو ضعيف لأنا نقول إن الحرارة الغريزية إذا أثرت في تجفيف الرطوبة الغريزية وقلتها فلم لا يجوز أن يقال إن القوة الغاذية تورد بدلها فعند هذا قالوا القوة الغاذية إنما تقوى على إيراد بدلها لو كانت الحرارة الغريزية قوية فأما عند ضعفها فلا فنقول فههنا لزم الدور لأن الرطوبة الغريزية إنما تقل وتنقص لو لم تكن القوة الغاذية وافية بإيراد بدلها وإنما تعجز القوة الغاذية عن هذا الإيراد إذا كانت الحرارة الغريزية ضعيفة وإنما تكون الحرارة الغريزية ضعيفة أن لو قلت الرطوبة الغريزية وإنما تحصل هذه القلة إذا عجزت الغاذية عن إيراد البدل فثبت أن على القول الذي قالوه يلزوم الدور وأنه باطل فثبت أن تعليل انتقال الإنسان من سن إلى سن بما ذكروه من اعتبار الطبائع يوجب عليهم هذه المحاولات المذكورة فكان القول به باطلًا ولما بطل هذا القول وجب القطع بإسناد هذه الأحوال إلى الإله القادر المختار الحكيم الرحيم الذي يدبر أبدان الحيوانات على الوجه الموافق لمصالحها وذلك هو المطلوب وقد كنت أقرأ يومًا من الأيام سورة المرسلات فلما وصلت إلى قوله تعالى أَلَمْ نَخْلُقكُّم مّن مَّاء مَّهِينٍ فَجَعَلْنَاهُ فِى قَرَارٍ مَّكِينٍ إِلَى قَدَرٍ مَّعْلُومٍ فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ ( المرسلات 20 24 ) فقلت لا شك أن المراد بهؤلاء المكذبين هم الذين نسبوا تكون الأبدان الحيوانية إلى الطبائع وتأثير الحرارة في الرطوبة وأنا أؤمن من صميم قلبي يا رب العزة بأن هذه التدبيرات ليست من الطبائع بل من خالق العالم الذي هو أحكم الحاكمين وأكرم الأكرمين

إذا عرفت هذا فقد صح بالدليل العقلي صدق قوله وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ لأنه ثبت أن خالق أبدان الناس وسائر الحيوانات ليس هو الطبائع بل هو الله سبحانه وتعالى وقوله ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ قد بينا أن السبب الذي ذكروه في صيرورة الموت فاسد باطل وأنه يلزم عليه القول بالدور ولما بطل ذلك ثبت أن الحياة والموت إنما حصلا بتخليق الله وبتقديره وقوله وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ قد بينا بالدليل أن الطبائع لا يجوز أن تكون علة لانتقال الإنسان من الكمال إلى النقصان ومن القوة إلى الضعف فلزم القطع بأن انتقال الإنسان من الشباب إلى الشيخوخة ومن الصحة إلى الهرم ومن العقل الكامل إلى أن صار حرفًا غافلًا ليس بمقتضى الطبيعة بل بفعل الفاعل المختار وإذا ثبت ما ذكرنا ظهر أن الذي دل عليه لفظ القرآن قد ثبت صحته بقاطع القرآن

ثم قال تعالى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ وهذا كالأصل الذي عليه تفريع كل ما ذكرناه وذلك لأن الطبيعة جاهلة لا تميز بين وقت المصلحة ووقت المفسدة فهذه الإنفعالات في هذا الإنسان لا يمكن إسنادها إليها أما إله العالم ومدبره وخالقه فهو الكامل في العلم الكامل في القدرة فلأجل كمال علمه يعلم مقادير المصالح والمفاسد ولأجل كمال قدرته يقدر على تحصيل المصالح ودفع المفاسد فلا جرم أمكن إسناد تخليق الحيوانات إلى إله العالم فلا يمكن إسناده إلى الطبائع والله أعلم

المسألة الثانية في تفسير ألفاظ الآية قال المفسرون والله خلقكم ولم تكونوا شيئًا ثم يتوفاكم عند انقضاء آجالكم ومنكم من يرد إلى أرذل العمر وهو أردؤه وأضعفه يقال رذل الشيء يرذل رذالة وأرذلة غيره ومنه قوله إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ وَأَطِيعُونِ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الاْرْذَلُونَ ( الشعراء 111 ) وقوله وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت