فهرس الكتاب

الصفحة 3749 من 6606

لا بد فيه من دليل منفصل وعلوم سابقة والحاصل أن العلوم الكسبية إنما يمكن اكتسابها بواسطة العلوم البديهية وحدوث هذه العلوم البديهية إنما كان عند حدوث تصور موضوعاتها وتصور محمولاتها وحدوث هذه التصورات إنما كان بسبب إعانة هذه الحواس على جزئياتها فظهر أن السبب الأول لحدوث هذه المعارف في النفوس والعقول هو أنه تعالى أعطى هذه الحواس فلهذا السبب قال تعالى والله أخرجكم نت بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة ليصير حصول هذه الحواس سببا لانتقال نفوسكم من الجهل إلى العلم بالطريق الذي ذكرناه وهذه أبحاث شريفة عقلية محضة مدرجة في هذه الآيات وقال المفسرون وجعل لكم السمع لتسمعوا مواعظ الله والأبصار لتبصروا دلائل الله والأفئدة لتعقلوا عظمة الله والأفئدة جمع فؤاد نحو أغربة وغراب قال لازجاج ولم يجمع فؤاد على أكثر العدد وما قيل فيه فئدان كما قيل غراب غران وأقول لعل الفؤاد إنما جمع على بناء جمع القلة تنبيها على أن السمع والبصر كثيران وأن الفؤاد قليل لأن الفؤاد إنما خلق للمعارف الحقيقية والعلوم اليقينية وأكثر الخلق ليسوا كذلك بل يكونون مشغولين بالأفعال البهيمية والصفات السبعية فكأن فؤادهم ليس بفؤاد فلهذا السبب ذكر في جمعه صيغة جمع القلة

فإن قيل قوله تعالى وجعل لكم السمع والأبصار عطف على قوله أخرجكم وهذا يقتضي أن يكون جعل السمع والبصر متأخرا عن الإخراج عن البطن ومعلوم أنه ليس كذلك

والجواب أن حرف الواو لا يوجب الترتيب وأيضا إذا حملنا السمع على الاستماع والأبصار على الرؤية زال السؤال والله أعلم

أما قوله ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله ففيه مسألتان

المسألة الأولى قرأ بن عامر وحمزة والكسائي ألم تروا بالتاء وبالباقون بالياء على الحكاية لمن تقدم ذكره من الكفار

المسألة الثانية هذا دليل آخر على كمال قدرة الله تعالى وحكمته فإنه لولا أنه تعالى خلق الطير خلقة معها يمكنه الطيران وخلق الجو خلقة معها يمكن الطيران فيه لما أمكن ذلك فإنه تعالى أعطى الطير جناحا يبسطه مرة ويكسره أخرى مثل ما يعمله السابح في الماء وخلق الهواء خلقة لطيفة رقيقة يسهل بسببها خرقه والنفاذ فيه ولولا ذلك لما كان الطيران ممكنا وأما قوله تعالى ما يمسكهن إلا الله فالمعنى أن جسد الطير جسم ثقيل والجسم الثقيل يمتنع بقاؤه في الجو معلقا من غير دعامة تحته ولا علاقة فوقه فوجب أن يكون الممسك له في ذلك الجوهر الله تعالى ثم من الظاهر أن بقاءه في الجو معلقا فعله وحاصل باختياره فثبت أن خالق فعل العبد هو الله تعالى قال القاضي إنما أضاف الله تعالى هذا الإمساك إلى نفسه لأنه تعالى هو الذي أعطى الآلات التي لأجلها يمكن الطير من تلك الأفعال فلما كان تعالى هو المسبب لذلك لا جرم صحت هذه الإضافة إلى الله تعالى

والجواب أن هذا ترك للظاهر بغير دليل وأنه لا يجوز لا سيما والدلائل العقليلة ذلت على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت