فهرس الكتاب
لا بد فيه من دليل منفصل وعلوم سابقة والحاصل أن العلوم الكسبية إنما يمكن اكتسابها بواسطة العلوم البديهية وحدوث هذه العلوم البديهية إنما كان عند حدوث تصور موضوعاتها وتصور محمولاتها وحدوث هذه التصورات إنما كان بسبب إعانة هذه الحواس على جزئياتها فظهر أن السبب الأول لحدوث هذه المعارف في النفوس والعقول هو أنه تعالى أعطى هذه الحواس فلهذا السبب قال تعالى والله أخرجكم نت بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة ليصير حصول هذه الحواس سببا لانتقال نفوسكم من الجهل إلى العلم بالطريق الذي ذكرناه وهذه أبحاث شريفة عقلية محضة مدرجة في هذه الآيات وقال المفسرون وجعل لكم السمع لتسمعوا مواعظ الله والأبصار لتبصروا دلائل الله والأفئدة لتعقلوا عظمة الله والأفئدة جمع فؤاد نحو أغربة وغراب قال لازجاج ولم يجمع فؤاد على أكثر العدد وما قيل فيه فئدان كما قيل غراب غران وأقول لعل الفؤاد إنما جمع على بناء جمع القلة تنبيها على أن السمع والبصر كثيران وأن الفؤاد قليل لأن الفؤاد إنما خلق للمعارف الحقيقية والعلوم اليقينية وأكثر الخلق ليسوا كذلك بل يكونون مشغولين بالأفعال البهيمية والصفات السبعية فكأن فؤادهم ليس بفؤاد فلهذا السبب ذكر في جمعه صيغة جمع القلة
فإن قيل قوله تعالى وجعل لكم السمع والأبصار عطف على قوله أخرجكم وهذا يقتضي أن يكون جعل السمع والبصر متأخرا عن الإخراج عن البطن ومعلوم أنه ليس كذلك
والجواب أن حرف الواو لا يوجب الترتيب وأيضا إذا حملنا السمع على الاستماع والأبصار على الرؤية زال السؤال والله أعلم
أما قوله ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله ففيه مسألتان
المسألة الأولى قرأ بن عامر وحمزة والكسائي ألم تروا بالتاء وبالباقون بالياء على الحكاية لمن تقدم ذكره من الكفار
المسألة الثانية هذا دليل آخر على كمال قدرة الله تعالى وحكمته فإنه لولا أنه تعالى خلق الطير خلقة معها يمكنه الطيران وخلق الجو خلقة معها يمكن الطيران فيه لما أمكن ذلك فإنه تعالى أعطى الطير جناحا يبسطه مرة ويكسره أخرى مثل ما يعمله السابح في الماء وخلق الهواء خلقة لطيفة رقيقة يسهل بسببها خرقه والنفاذ فيه ولولا ذلك لما كان الطيران ممكنا وأما قوله تعالى ما يمسكهن إلا الله فالمعنى أن جسد الطير جسم ثقيل والجسم الثقيل يمتنع بقاؤه في الجو معلقا من غير دعامة تحته ولا علاقة فوقه فوجب أن يكون الممسك له في ذلك الجوهر الله تعالى ثم من الظاهر أن بقاءه في الجو معلقا فعله وحاصل باختياره فثبت أن خالق فعل العبد هو الله تعالى قال القاضي إنما أضاف الله تعالى هذا الإمساك إلى نفسه لأنه تعالى هو الذي أعطى الآلات التي لأجلها يمكن الطير من تلك الأفعال فلما كان تعالى هو المسبب لذلك لا جرم صحت هذه الإضافة إلى الله تعالى
والجواب أن هذا ترك للظاهر بغير دليل وأنه لا يجوز لا سيما والدلائل العقليلة ذلت على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى