فهرس الكتاب
غير بخس ولا نقصان وقوله وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ قال الواحدي معناه لا ينقضون قال القاضي هذه الآية من أقوى ما يدل على ما نذهب إليه في الوعيد لأنها تدل على أنه تعالى يوصل إلى كل أحد حقه من غير نقصان ولو أنه تعالى أزال عقاب المذنب بسبب الشفاعة لم يصح ذلك
والجواب لا نزاع أن ظاهر العمومات يدل على قولكم إلا أن مذهبنا أن التمسك بظواهر العمومات لا يفيد القطع وأيضًا فظواهر الوعيد معارضة بظواهر الوعد ثم بينا في سورة البقرة في تفسير قوله بَلَى مَن كَسَبَ سَيّئَة ً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ ( البقرة 81 ) أن جانب الوعد راجح على جانب الوعيد من وجوه كثيرة والله أعلم
وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَة ً كَانَتْ ءَامِنَة ً مُّطْمَئِنَّة ً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ
وفي الآية مسائل
المسألة الأولى اعلم أنه تعالى لما هدد الكفار بالوعيد الشديد في الآخرة هددهم أيضًا بآفات الدنيا وهو الوقوع في الجوع والخوف كما ذكره في هذه الآية
المسألة الثانية المثل قد يضرب بشيء موصوف بصفة معينة سواء كان ذلك الشيء موجودًا أو لم يكن موجودًا وقد يضرب بشيء موجود معين فهذه القرية التي ضرب الله بها هذا المثل يحتمل أن تكون شيئًا مفروضًا ويحتمل أن تكون قرية معينة وعلى هذا التقدير الثاني فتلك القرية يحتمل أن تكون مكة أو غيرها والأكثرون من المفسرين على أنها مكة والأقرب أنها غير مكة لأنها ضربت مثلًا لمكة ومثل مكة يكون غير مكة
المسألة الثالثة ذكر الله تعالى لهذه القرية صفات
الصفة الأولى كونها آمنة أي ذات أمن لا يغار عليهم كما قال أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا ءامِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ ( العنكبوت 67 ) والأمر في مكة كان كذلك لأن العرب كان يغير بعضهم على بعض أما أهل مكة فإنهم كانوا أهل حرم الله والعرب كانوا يحترمونهم ويخصونهم بالتعظيم والتكريم
واعلم أنه يجوز وصف القرية بالأمن وإن كان ذلك لأهلها لأجل أنها مكان الأمن وظرف له والظروف من الأزمنة والأمكنة توصف بما حلها كما يقال طيب وحار وبارد
والصفة الثانية قوله مُّطْمَئِنَّة ً قال الواحدي معناه أنها قارة ساكنة فأهلها لا يحتاجون إلى الانتقال عنها لخوف أو ضيق أقول إن كان المراد من كونها مطمئنة أنهم لا يحتاجون إلى الانتقال عنها بسبب الخوف فهذا هو معنى كونها آمنة وإن كان المراد أنهم لا يحتاجون إلى الانتقال عنها بسبب الضيق فهذا هو معنى قوله يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مّن كُلّ مَكَانٍ وعلى كلا التقديرين فإنه يلزم التكرار