فهرس الكتاب

الصفحة 3779 من 6606

والجواب أن العقلاء قالوا

ثلاثة ليس لها نهاية

الأمن والصحة والكفاية قوله ءامِنَة ً إشارة إلى الأمن وقوله مُّطْمَئِنَّة ً إشارة إلى الصحة لأن هواء ذلك البلد لما كان ملائمًا لأمزجتهم اطمأنوا إليه واستقروا فيه وقوله يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مّن كُلّ مَكَانٍ إشارة إلى الكفاية قال المفسرون وقوله مّن كُلّ مَكَانٍ السبب فيه إجابة دعوة إبراهيم عليه السلام وهو قوله فَاجْعَلْ أَفْئِدَة ً مّنَ النَّاسِ تَهْوِى إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مّنَ الثَّمَراتِ ( إبراهيم 37 ) ثم إنه تعالى لما وصف القرية بهذه الصفات الثلاثة قال فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ الأنعم جمع نعمة مثل أشد وشدة أقول ههنا سؤال وهو أن الأنعم جمع قلة فكان المعنى أن أهل تلك القرية كفرت بأنواع قليلة من النعم فعذبها الله وكان اللائق أن يقال إنهم كفروا بنعم عظيمة لله فاستوجبوا العذاب فما السبب في ذكر جمع القلة

والجواب المقصود التنبيه بالأدنى على الأعلى يعني أن كفران النعم القليلة لما أوجب العذاب فكفران النعم الكثيرة أولى بإيجاب العذاب وهذا مثل أهل مكة لأنهم كانوا في الأمن والطمأنينة والخصب ثم أنعم الله عليهم بالنعمة العظيمة وهو محمد ( صلى الله عليه وسلم ) فكفروا به وبالغوا في إيذائه فلا جرم سلط الله عليهم البلاد قال المفسرون عذبهم الله بالجوع سبع سنين حتى أكلوا الجيف والعظام والعلهز والقد أما الخوف فهو أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) كان يبعث إليهم السرايا فيغيرون عليهم ونقل أن ابن الراوندي قال لابن الأعرابي الأديب هل يذاق اللباس قال ابن الأعرابي لا باس ولا لباس يا أيها النسناس هب أنك تشك أن محمدًا ما كان نبيًا أما كان عربيًا وكان مقصود ابن الراوندي الطعن في هذه الآية وهو أن اللباس لا يذاق بل يلبس فكان الواجب أن يقال فكساهم الله لباس الجوع أو يقال فأذاقهم الله طعم الجوع وأقول جوابه من وجوه

الوجه الأول أن الأحوال التي حصلت لهم عند الجوع نوعان أحدهما أن المذوق هو الطعم فلما فقدوا الطعام صاروا كأنهم يذوقون الجوع والثاني أن ذلك الجوع كان شديدًا كاملًا فصار كأنه أحاط بهم من كل الجهات فأشبه اللباس فالحاصل أنه حصل في ذلك الجوع حالة تشبه المذوق وحالة تشبه الملبوس فاعتبر الله تعالى كلا الاعتبارين فقال فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ

والوجه الثاني أن التقدير أن الله عرفها لباس الجوع والخوف إلا أنه تعالى عبر عن التعريف بلفظ الإذاقة وأصل الذوق بالفم ثم قد يستعار فيوضع موضع التعرف وهو الاختبار تقول ناظر فلانًا وذق ما عنده قال الشاعر

ومن يذق الدنيا فإني طعمتها

وسيق إلينا عذبها وعذابها ولباس الجوع والخوف هو ما ظهر عليهم من الضمور وشحوب اللون ونهكة البدن وتغير الحال وكسوف البال فكما تقول تعرفت سوء أثر الخوف والجوع على فلان كذلك يجوز أن تقول ذقت لباس الجوع والخوف على فلان

والوجه الثالث أن يحمل لفظ اللبس على المماسة فصار التقدير فأذاقها الله مساس الجوع والخوف

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت