فهرس الكتاب

الصفحة 3787 من 6606

اعلم أنه تعالى لما أمر محمدًا ( صلى الله عليه وسلم ) بإتباع إبراهيم عليه السلام بين الشيء الذي أمره بمتابعته فيه فقال ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبّكَ بِالْحِكْمَة ِ

واعلم أنه تعالى أمر رسوله أن يدعو الناس بأحد هذه الطرق الثلاثة وهي الحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالطريق الأحسن وقد ذكر الله تعالى هذا الجدل في آية أخرى فقال وَلاَ تُجَادِلُواْ أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِى هِى َ أَحْسَنُ ( العنكبوت 46 ) ولما ذكر الله تعالى هذه الطرق الثلاثة وعطف بعضها على بعض وجب أن تكون طرقًا متغايرة متباينة وما رأيت للمفسرين فيه كلامًا ملخصًا مضبوطًا

واعلم أن الدعوة إلى المذهب والمقالة لا بد وأن تكون مبنية على حجة وبينة والمقصود من ذكر الحجة إما تقرير ذلك المذهب وذلك الاعتقاد في قلوب المستمعين وإما أن يكون المقصود إلزام الخصم وإفحامه

أما القسم الأول فينقسم أيضًا إلى قسمين لأن الحجة إما أن تكون حجة حقيقية يقينية قطعية مبرأة عن احتمال النقيض وإما أن لا تكون كذلك بل تكون حجة تفيد الظن الظاهر والإقناع الكامل فظهر بهذا التقسيم إنحصار الحجج في هذه الأقسام الثلاثة أولها الحجة القطعية المفيدة للعقائد اليقينية وذلك هو المسمى بالحكمة وهذه أشرف الدرجات وأعلى المقامات وهي التي قال الله في صفتها وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَة َ فَقَدْ أُوتِى َ خَيْرًا كَثِيرًا ( البقرة 269 ) وثانيها الأمارات الظنية والدلائل الإقناعية وهي الموعظة الحسنة وثالثها الدلائل التي يكون المقصود من ذكرها إلزام الخصوم وإفحامهم وذلك هو الجدل ثم هذا الجدل على قسمين

القسم الأول أن يكون دليلًا مركبًا من مقدمات مسلمة في المشهور عند الجمهور أو من مقدمات مسلمة عند ذلك القائل وهذا الجدل هو الجدل الواقع على الوجه الأحسن

القسم الثاني أن يكون ذلك الدليل مركبًا من مقدمات باطلة فاسدة إلا أن قائلها يحاول ترويجها على المستمعين بالسفاهة والشغب والحيل الباطلة والطرق الفاسدة وهذا القسم لا يليق بأهل الفضل إنما اللائق بهم هو القسم الأول وذلك هو المراد بقوله تعالى وَجَادِلْهُم بِالَّتِى هِى َ أَحْسَنُ فثبت بما ذكرنا انحصار الدلائل والحجج في هذه الأقسام الثلاثة المذكورة في هذه الآية

إذا عرفت هذا فنقول أهل العلم ثلاث طوائف الكاملون الطالبون للمعارف الحقيقية والعلوم اليقينية والمكالمة مع هؤلاء لا تمكن إلا بالدلائل القطعية اليقينية وهي الحكمة والقسم الثاني الذي تغلب على طباعهم المشاغبة والمخاصمة لا طلب المعرفة الحقيقية والعلوم اليقينية والمكالمة اللائقة بهؤلاء المجادلة التي تفيد الإفحام والإلزام وهذان القسمان هما الطرفان فالأول هو طرف الكمال والثاني طرف النقصان

وأما القسم الثاني فهو الواسطة وهم الذين ما بلغوا في الكمال إلى حد الحكماء المحققين وفي النقصان والرذالة إلى حد المشاغبين المخاصمين بل هم أقوام بقوا على الفطرة الأصلية والسلامة الخلقية وما بلغوا إلى درجة الاستعداد لفهم الدلائل اليقينية والمعارف الحكمية والمكالمة مع هؤلاء لا تمكن إلا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت