فهرس الكتاب
بالموعظة الحسنة وأدناها المجادلة وأعلى مراتب الخلائق الحكماء المحققو وأوسطهم عامة الخلق وهم أرباب السلامة وفيهم الكثيرة والغلبة وأدنى المراتب الذين جبلوا على طبيعة المنازعة والمخاصمة فقوله تعالى ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبّكَ معناه ادع الأقوياء الكاملين إلى الدين الحق بالحكمة وهي البراهين القطعية اليقينية وعوام الخلق بالموعظة الحسنة وهي الدلائل اليقينية الإقناعية الظنية والتكلم مع المشاغبين بالجدل على الطريق الأحسن الأكمل
ومن لطائف هذه الآية أنه قال يَخْتَلِفُونَ ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبّكَ بِالْحِكْمَة ِ وَالْمَوْعِظَة ِ الْحَسَنَة ِ فقصر الدعوة على ذكر هذين القسمين لأن الدعوة إذا كانت بالدلائل القطعية فهي الحكمة وإن كانت بالدلائل الظنية فهي الموعظة الحسنة أما الجدل فليس من باب الدعوة بل المقصود منه غرض آخر مغاير للدعوة وهو الإلزام والإفحام فهلذا السبب لم يقل ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة والجدل الأحسن بل قطع الجدل عن باب الدعوة تنبيهًا على أنه لا يحصل الدعوة وإنما الغرض منه شيء آخر والله أعلم
واعلم أن هذه المباحث تدل على أنه تعالى أدرج في هذه الآية هذه الأسرار العالية الشريفة مع أن أكثر الخلق كانوا غافلين عنها فظهر أن هذا الكتاب الكريم لا يهتدي إلى ما فيه من الأسرار إلا من كان من خواص أولي الأبصار
ثم قال تعالى إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ والمعنى أنك مكلف بالدعوة إلى الله تعالى بهذه الطرق الثلاية فأما حصول الهداية فلا يتعلق بك فهو تعالى أعلم بالضالين وأعلم بالمهتدين والذي عندي في هذا الباب أن جواهر النفوس البشرية مختلفة بالماهية فبعضها نفوس مشرقة صافية قلية التعلق بالجسمانيات كثيرة الانجذاب إلى عالم الروحانيات وبعضها مظلمة كدرة قوية التعلق بالجسمانيات عديمة الالتفات إلى الروحانيات ولما كانت هذه الاستعدادات من لوازم جواهرها لا جرم يمتنع انقلابها وزوالها فلهذا قال تعالى اشتغل أنت بالدعوة ولا تطمع في حصول الهداية للكل فإنه تعالى هو العالم بضلال النفوس الضالة الجاهلة وبإشراق النفوس المشرقة الصافية فلكل نفس فطرة مخصوصة وماهية مخصوصة كما قال فِطْرَة َ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ( الروم 30 ) والله أعلم
وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِى ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ
في الآية مسائل
المسألة الأولى قال الواحدي هذه الآية فيها ثلاثة أقوال