فهرس الكتاب
ما ذكرت أولًا من كون عيسى عليه السلام ابنًا لمريم وثالثها أن يكون قَوْلَ الْحَقّ خبرًا لمبتدأ محذوف كأنه قيل ذلك عيسى ابن مريم ووصفنا له هو قول الحق فكأنه تعالى وصفه أولًا ثم ذكر أن هذا الموصوف هو عيسى ابن مريم ثم ذكر أن هذا الوصف أجمع هو قول الحق على معنى أنه ثابت لا يجوز أن يبطل كما بطل ما يقع منهم من المرية ويكون في معنى إن هذا لهو الحق اليقين فأما امتراؤهم في عيسى عليه السلام فالمذاهب التي حكيناها من قول اليهود والنصارى وقد تقدم ذكر ذلك في سورة آل عمران روي أن عيسى عليه السلام لما رفع حضر أربعة من أكابرهم وعلمائهم فقيل للأول ما تقول في عيسى فقال هو إله والله إله وأمه إله فتابعه على ذلك ناس وهم الإسرائيلية وقيل للرابع ما تقول فقال هو عبد الله ورسوله وهو المؤمن المسلم وقال أما تعلمون أن عيسى كان يطعم وينام وأن الله تعالى لا يجوز عليه ذلك فخصمهم أما قوله مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ فهو يحتمل أمرين أحدهما أن ثبوت الولد له محال فقولنا مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ كقوله ما كان لله أن يقول لأحد إنه ولدي لأن هذا الخبر كذب والكذب لا يليق بحكمة الله تعالى وكماله فقوله مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ كقولنا ما كان لله أن يظلم أي لا يليق ذلك بحكمته وكمال إلهيته واحتج الجبائي بالآية بناء على هذا التفسير أنه ليس لله أن يفعل كل شيء لأنه تعالى صرح بأنه ليس له هذا الإيجاد أي ليس له هذا الاختيار وأجاب أصحابنا عنه بأنه الكذب محال على الله تعالى فلا جرم قال مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ أما قوله سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ ففيه مسائل
المسألة الأولى أنه تعالى لما قال سُبْحَانَهُ ثم قال عقيبه إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ كان كالحجة على تنزيهه عن الولد وبيان ذلك أن الذي يجعل ولدًا لله إما أن يكون قديمًا أزليًا أو يكون محدثًا فإن كان أزليًا فهو محال لأنه لو كان واجبًا لذاته لكان واجب الوجود أكثر من واحد هذا خلف وإن كان ممكنًا لذاته كان مفتقرًا في وجوده إلى الواجب لذاته غنيًا لذاته فيكون الممكن محتاجًا لذاته فيكون عبدًا له لأنه لا معنى للعبودية إلا ذلك وأما إن كان الذي يجعل ولدًا يكون محدثًا فيكون وجوده بعد عدمه بخلق ذلك القديم وإيجاده وهو المراد من قوله إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ فيكون عبدًا له لا ولدًا له فثبت أنه يستحيل أن يكون لله ولد
المسألة الثانية احتج الأصحاب بقوله إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ على قدم كلام الله تعالى قالوا لأن الآية تدل على أنه تعالى إذا أراد إحداث شيء قال له كن فيكون فلو كان قوله كن محدثًا لافتقر حدوثه إلى قول آخر ولزم التسلسل وهو محال فثبت أن قول الله قديم لا محدث واحتج المعتزلة بالآية على حدوث كلام الله تعالى من وجوه أحدها أنه تعالى أدخل عليه كلمة إذا وهذه الكلمة دالة على الاستقبال فوجب أن لا يحصل القول إلا في الاستقبال وثانيها أن حرف الفاء للتعقيب والفاء في قوله فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ يدل على تأخر ذلك القول عن ذلك القضاء والمتأخر عن غيره محدث وثالثها الفاء في قوله فَيَكُونُ يدل على حصول ذلك الشيء عقيب ذلك القول من غير فصل فيكون قول الله متقدمًا على حدوث الحادث تقدمًا بلا فصل والمتقدم على المحدث تقدمًا بلا فصل يكون محدثًا فقول الله محدث واعلم أن استدلال الفريقين ضعيف أما استدلال الأصحاب فلأنه يقتضي أن يكون قوله كُنَّ قديمًا وذلك باطل بالاتفاق وأما استدلال المعتزلة فلأنه يقتضي أن يكون قول الله تعالى هو المركب من الحروف