فهرس الكتاب

الصفحة 4115 من 6606

تعالى حكى سؤالهم فحسن عطف الجواب عليه بحرف الفاء وأما الصورة الثالثة فإنه تعالى لم يذكر الجواب في قوله يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَة ِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا فالحكمة فيه أن معرفة وقت الساعة على التعيين مشتملة على المفاسد التي شرحناها فيما سبق فلهذا لم يذكر الله تعالى ذلك الجواب وذلك يدل على أن من الأسئلة ما لا يجاب عنها وأما الصورة الرابعة وهي قوله فَإِنّي قَرِيبٌ ولم يذكر في جوابه قل ففيه وجوه أحدها أن ذلك يدل على تعظيم حال الدعاء وأنه من أعظم العبادات فكأنه سبحانه قال يا عبادي أنت إنما تحتاج إلى الواسطة في غير الدعاء أما في مقام الدعاء فلا واسطة بيني وبينك يدل عليه أن كل قصة وقعت لم تكن معرفتها من المهمات قال لرسوله ( صلى الله عليه وسلم ) اذكر لهم تلك القصة كقوله تعالى وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَى ْ ءادَمَ بِالْحَقّ ( المائدة 27 ) وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِى ءاتَيْنَاهُ ءايَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا ( الأعراف 175 ) وَاذْكُرْ فِى الْكِتَابِ مُوسَى ( مريم 51 ) وَاذْكُرْ فِى الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ ( مريم 54 ) وَاذْكُرْ فِى الْكِتَابِ إِدْرِيسَ ( مريم 56 ) وَنَبّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ ( الحجر 51 ) ثم قال في قصة يوسف نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ ( يوسف 3 ) وفي أصحاب الكهف نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نبَأَهُم بِالْحَقّ ( الكهف 13 ) وما ذاك إلالما في هاتين القصتين من العجائب والغرائب والحاصل كأنه سبحانه وتعالى قال يا محمد إذا سئلت عن غيري فكن أنت المجيب وإذا سئلت عني فاسكت أنت حتى أكون أنا القائل وثانيها أن قوله وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي يدل على أن العبد له ( أن يسأل ) وقوله فَإِنّي قَرِيبٌ يدل على أن الرب قريب من العبد وثالثها لم يقل فالعبد مني قريب بل قال أنا منه قريب وهذا فيه سر نفيس فإن العبد ممكن الوجود فهو من حيث هو هو في مركز العدم وحضيض الفناء فكيف يكون قريبًا بل القريب هو الحق سبحانه وتعالى فإنه بفضله وإحسانه جعله موجودًا وقربه من نفسه فالقرب منه لا من العبد فلهذا قال فَإِنّي قَرِيبٌ ورابعها أن الداعي ما دام يبقى خاطره مشغولًا بغير الله تعالى فإنه لا يكون داعيًا لله تعالى فإذا فنى عن الكل وصار مستغرقًا بمعرفة الله الأحد الحق امتنع أن يبقى في مقام الفناء عن غير الله مع الالتفات إلى غير الله تعالى فلا جرم رفعت الواسطة من البين فما قال فقل إني قريب بل قال فَإِنّي قَرِيبٌ فثبت بما تقرر فضل الدعاء وأنه من أعظم القربات ثم من شأن العبد إذا أراد أن يتحف مولاه أن لا يتحفه إلا بأحسن التحف والهدايا فلا جرم أول ما أراد موسى أن يتحف الحضرة الإلهية بتحف الطاعات والعبادات أتحفها بالدعاء فلا جرم قال رَبّ اشْرَحْ لِى صَدْرِى والوجه الثاني في بيان فضل الدعاء قوله عليه السلام ( الدعاء مخ العبادة ) ثم إن أول شيء أمر الله تعالى به موسى عليه السلام ( العبادة ) لأن قوله إِنَّنِى أَنَا اللَّهُ ( طه 14 ) إخبار وليس بأمر إنما الأمر قوله فَاعْبُدْنِى ( طه 14 ) فلما كان أول ما أورد على موسى من الأوامر هو الأمر بالعبادة لا جرم أول ما أتحف به موسى عليه السلام حضرة الربوبية من تحف العبادة هو تحفة الدعاء فقال رَبّ اشْرَحْ لِى صَدْرِى والوجه الثالث وهو أن الدعاء نوع من أنواع العبادة فكما أنه سبحانه وتعالى أمر بالصلاة والصوم فكذلك أمر بالدعاء ويدل عليه قوله تعالى وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ أُجِيبُ ( البقرة 186 ) وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ ( غافر 60 ) وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا ( الأعراف 56 ) ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَة ً

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت