فهرس الكتاب

الصفحة 4156 من 6606

فإذن المراد أنه شاهد شيئًا لولا علمه بأنه لا حقيقة لذلك الشيء لظن فيها أنها تسعى أما قوله تعالى فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِ خِيفَة ً مُّوسَى فالإيجاس استشعار الخوف أي وجد في نفسه خوفًا فإن قيل إنه لا مزيد في إزالة الخوف على ما فعله الله تعالى في حق موسى عليه السلام فإنه كلمه أولًا وعرض عليه المعجزات الباهرة كالعصا واليد ثم إنه تعالى صيرها كما كانت بعد أن كانت كأعظم ثعبان ثم إنه أعطاه الاقتراحات الثمانية وذكر ما أعطاه قبل ذلك من المنن الثمانية ثم قال له بعد ذلك كله إِنَّنِى مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ( طه 46 ) فمع هذه المقدمات الكثيرة كيف وقع الخوف في قلبه والجواب عنه من وجوه أحدها أن ذلك الخوف إنما كان لما طبع الآدمي عليه من ضعف القلب وإن كان قد علم موسى عليه السلام أنهم لا يصلون إليه وأن الله ناصره وهذا قول الحسن وثانيها أنه خاف أن تدخل على الناس شبهة فيما يرونه فيظنوا أنهم قد ساووا موسى عليه السلام ويشتبه ذلك عليهم وهذا التأويل متأكد بقوله لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الاْعْلَى وهذا قول مقاتل وثالثها أنه خاف حيث بدأوا وتأخر إلقاؤه أن ينصرف بعض القوم قبل مشاهدة ما يلقيه فيدوموا على اعتقاد الباطل ورابعها لعله عليه السلام كان مأمورًا بأن لا يفعل شيئًا إلا بالوحي فلما تأخر نزول الوحي عليه في ذلك الوقت خاف أن لا ينزل الوحي في ذلك الوقت فيبقى في الخجالة وخامسها لعله عليه السلام خاف من أنه لو أبطل سحر أولئك الحاضرين فلعل فرعون قد أعد أقوامًا آخرين فيأتيه بهم فيحتاج مرة أخرى إلى إبطال سحرهم وهكذا من غير أن يظهر له مقطع وحينئذ لا يتم الأمر ولا يحصل المقصود ثم إنه تعالى أزال ذلك الخوف بالإجمال أولًا وبالتفصيل ثانيًا أما الإجمال فقوله تعالى قُلْنَا لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الاْعْلَى ودلالته على أن خوفه كان لأمر يرجع إلى أن أمره لا يظهر للقوم فآمنه الله تعالى بقوله إِنَّكَ أَنتَ الاْعْلَى وفيه أنواع من المبالغة أحدها ذكر كلمة التأكيد وهي إن وثانيها تكرير الضمير وثالثها لام التعريف ورابعها لفظ العلو وهو الغلبة الظاهرة وأما التفصيل فقوله وَأَلْقِ مَا فِى يَمِينِكَ وفيه سؤال وهو أنه لمَ لم يقل وألق عصاك والجواب جاز أن يكون تصغيرًا لها أي لا تبال بكثرة حبالهم وعصيهم وألق العويد الفرد الصغير الجرم الذي بيمينك فإنه بقدرة الله تعالى يتلقفها على وحدته وكثرتها وصغره وعظمها وجائز أن يكون تعظيمًا لها أي لا تحتفل بهذه الأجرام الكثيرة فإن في يمينك شيئًا أعظم منها كلها وهذه على كثرتها أقل شيء عندها فألقه يتلقفها بإذن الله تعالى ويمحقها أما قوله تَلْقَفْ أي فإنك إذا ألقيتها فإنها تلقف ما صنعوا قراءة العامة تلقف بالجزم والتشديد أي فألقها تتلقفها وقرأ ابن عامر تلقف بالتشديد وضم الفاء على معنى الحال أي ألقها متلقفة أو بالرفع على الاستئناف وروى حفص عن عاصم بسكون اللام مع التخفيف أي تأخذ بفيها ابتلاعًا بسرعة واللقف والتلقف جميعًا يرجعان إلى هذا المعنى وصنعوا ههنا بمعنى اختلقوا وزوروا والعرب تقول في الكذب هو كلام مصنوع وموضوع وصحة قوله تَلْقَفْ أنه إذا ألقى ذلك وصارت حية تلقفت ما صنعوا وفي قوله فَأُلْقِى َ السَّحَرَة ُ سُجَّدًا ( طه 70 ) دلالة على أنه ألقى العصا وصارت حية وتلقفت ما صنعوه وفي التلقف دلالة على أن جميع ما ألقوه تلقفته وذلك لا يكون إلا مع عظم جسدها وشدة قوتها وقد حكى عن السحرة أنهم عند التلقف أيقنوا بأن ما جاء به موسى عليه السلام ليس من مقدور البشر من وجوه أحدها ظهور حركة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت