فهرس الكتاب

الصفحة 416 من 6606

المسألة الرابعة اعلم أن جماعة من أصحابنا يحتجون بأمر الله تعالى للملائكة بسجود آدم عليه السلام على أن آدم أفضل من الملائكة فرأينا أن نذكر ههنا هذه المسألة فنقول قال أكثر أهل السنة الأنبياء أفضل من الملائكة وقالت المعتزلة بل الملائكة أفضل من الأنبياء وهو قول جمهور الشيعة وهذا القول اختيار القاضي أبي بكر الباقلاني من المتكلمين منا وأبي عبد الله الحليمي من فقهائنا ونحن نذكر محصل الكلام من الجانبين أما القائلون بأن الملائكة أفضل من البشر فقد احتجوا بأمور أحدها قوله تعالى ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته الأنبياء 19 إلى قوله يسبحون الليل والنهار ولا يفترون الأنبياء 20 والاستدلال بهذه الآية من وجهين

الأول أنه ليس المراد من هذه العندية المكان والجهة فإن ذلك محال على الله تعالى بل عندية القرب والشرف ولما كانت هذه الآية واردة في صفة الملائكة علمنا أن هذا النوع من القربة والشرف حاصل لهم لا لغيرهم ولقائل أن يقول إنه تعالى أثبت هذه العندية في الآخرة لآحاد المؤمنين وهو قوله في مقعد صدق عند مليك مقتدر القمر 55 وأما في الدنيا فقال عليه الصلاة والسلام حاكيا عنه سبحانه { أنا عند المنكسرة قلوبهم لأجلي } وهذا أكثر إشعارا بالتعظيم لأن هذا الحديث يدل على أنه سبحانه عند هؤلاء المنكرة قلوبهم وما احتجوا به من الآية يدل على أن الملائكة عند الله تعالى ولا شك أن كون الله تعالى عند العبد أدخل في التعظيم من كون العبد عند الله تعالى

الوجه الثاني في الاستدلال بالآية أن الله تعالى احتج بعدم استكبارهم على أن غيرهم وجب أن لا يستكبروا ولو كان البشر أفضل منهم لما تم هذا الاحتجاج فإن السلطان إذا أراد أن يقرر على رعيته وجوب طاعتهم له يقول الملوك لا يستكبرون عن طاعتي فمن هؤلاء المساكين حتى يتمردوا عن طاعتي وبالجملة فمعلوم أن هذا الاستدلال لا يتم إلا بالأقوى على الأضعف ولقائل أن يقول لا نزاع في أن الملائكة أشد قوة وقدرة من البشر ويكفي في صحة الاستدلال هذا القدر من التفاوت فإنه تعالى يقول إن الملائكة مع شدة قوتهم واستيلائهم على أجرام السموات والأرض وأمنهم من الهرم والمرض وطول أعمارهم لا يتركون العبودية لحظة واحدة والبشر مع نهاية ضعفهم ووقوعهم في أسرع الأحوال في المرض والهرم وأنواع الآفات أولى أن لا يتمردوا فهذا القدر من التفاوت كاف في صحة هذا الاستدلال ولا نزاع في حصول التفاوت في هذا المعنى إنما النزاع في الأفضلية بمعنى كثرة الثواب فلم قلتم إن هذا الاستدلال لا يصح إلا إذا كان الملك أكثر ثوابا من البشر ولا بد فيه من دليل مع أن المتبادر إلى الفهم هو الذي ذكرناه وثانيها أنهم قالوا عبادات الملائكة أشق من عبادات البشر فتكون أكثر ثوابا من عبادات البشر وإنما قلنا إنها أشق لوجوه

أحدها أن ميلهم إلى التمرد أشد فتكون طاعتهم أشق وإنما قلنا إن ميلهم إلى التمرد أشد لأن العبد السليم من الآفات المستغني عن طلب الحاجات يكون أميل إلى النعم والالتذاذ من المغمور في الحاجات فإنه يكون كالمضطرب في الرجوع إلى عبادة مولاه والالتجاء إليه ولهذا قال تعالى فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون العنكبوت 65 ومعلوم أن الملائكة سكان السموات وهي جنات وبساتين ومواضع التنزه والراحة وهم آمنون

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت