فهرس الكتاب

الصفحة 417 من 6606

من المرض والفقر ثم إنهم مع استكمال أسباب التنعم لهم أبدا مذ خلقوا مشتغلون بالعبادة خاشعون وجلون مشفقون كأنهم مسجونون لا يلتفتون إلى نعيم الجنان واللذات بل هم مقبلون على الطاعات الشاقة موصوفون بالخوف الشديد ولافزع العظيم وكأنه لا يقدر أحد من بني آدم أن يبقى كذلك يوما وادحا فضلا عن تلك الأعصار المتطاولة ويؤكده قصة آدم عليه السلام فإنه أطلق له جميع مواضع الجنة بقوله وكلا منها رغدا حيث شئتما البقرة 35 ثم منع من شجرة واحدة فلم يملك نفسه حتى وقع في الشر وذلك يدل على أن طاعتهم أشق من طاعات البشر

وثانيها أن انتقال المكلف من نوع عبادة إلى نوع آخر كالانتقال من بستان إلى بستان أما الإقامة على نوع واحد فإنها تورث المشقة والملالة ولهذا السبب جعلت التصانيف مقسومة بالأبواب والفصول وجعل كتاب الله مقسوما بالسور والأحزاب والأعشار والأخماس ثم إن الملائكة كل واحد منهم مواظب على عمل واحد لا يعدل عنه إلى غيره على ما قال سبحانه يسبحون الليل والنهار لا يفترون الأنبياء 20 وقال وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن المسبحون الصافات 165 166 وإذا كان كذلك كانت عبادتهم في نهاية المشقة إذا ثبت وجب أن تكون عباداتهم أفضل عليه الصلاة والسلام { أفضل الأعمال أحمزها } أي أشقها وقوله لعائشة رضي الله عنها { إنما أجرك على قدر نصبك } والقياس أيضا يقتضي ذلك فإن العبد كلما كان تحمله المشاق لأجل رضا مولاه أكثر كان أحق بالتعظيم والتقديم

والقائل أن يقول على الوجهين هب أن مشقتهم أكثر فلم قلتم يجب أن يكون ثوابهم أكبر وذلك لأنا نرى بعض الصوفية في زماننا هذا يتحملون في طريق المجاهدة من المشاق والمتاعب ما يقطع بأن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ما كان يتحمل بعض ذلك ثم إنا نقطع بأن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أفضل منه ومن أمثاله بل يحكى عن عباد الهند وزهادهم ورهبانهم أنهم يتحملون من المتاعب في التواضع لله تعالى ما لم يحك مثله عن أحد من الأنبياء والأولياء مع أنا نقطع بكفرهم فعلمنا أن كثرة المشقة في العبادة لا تقتضي زيادة الثواب وتحقيقه هو أن كثرة الثواب لا تحصل إلا بناء على الدواعي والقصود فلعل الفعل الواحد يأتي به مكلفان على السواء فيما يتعلق بالأفعال الظاهرة ويستحق أحدهما به ثوابا عظيما والآخر لا يستحق به ثوالا قليلا لما أن إخلاص أحدهما أشد وأكثر من إخلاص الثاني فإذن كثرة العبادات ومشقتها لا تقتضي التفاوت في الفضل ثم نقول لا نسلم أن عبادات الملائكة أشق

أما قوله في الوجه الأول السموات كالبساتين النزهة قلنا مسلم ولكن لم قلتم بأن الاتيان بالعبادة في المواضع الطيبة أشق من الاتيان بها في المواضع الرديئة أكثر ما في الباب أن يقال إنه قد يهيأ له أسباب التنعم فامتناعه عنها مع تهيتها له أشق ولكنه معارض بما أن أسباب البلاء مجتمهة على البشر ثم إنهم مع اجتماعها عليهم يرضون بقضاء الله ولا تغيرهم تلك المحن والآفات عن الخشوع له والمواظبة على عبوديته وذلك أدخل في العبودية وذلك أن الخدم والعبيد تطيب قلوبهم بالخدمة حال ما يجدون من النعم والرفاهية ولا يصبر أحد منهم حال المشقة على الخدمة إلا من كان في نهاية الإخلاص فما ذكروه بالعكس أولى أما قوله والمواظبة على نوع واحد من العبادة شاق قلنا هذا معارض بوجه آخر وهو أنهم لما

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت