فهرس الكتاب
الناصبة للأفعال
البحث الثاني هذه الآية تدل على وجوب النظر في معرفة الله تعالى وقال في آية أخرى أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا ( الأعراف 148 ) وهو قريب في المعنى من قوله في ذم عبدة الأصنام أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا ( الأعراف 195 ) وليس المقصود من هذا أن العجل لو كان يكلمهم لكان إلهًا لأن الشيء يجوز أن يكون مشروطًا بشروط كثيرة ففوات واحد منها يقتضي فوات المشروط ولكن حصول الواحد فيها لا يقتضي حصول المشروط الثالث قال بعض اليهود لعلي عليه السلام ما دفنتم نبيكم حتى اختلفتم فقال إنما اختلفنا عنه وما اختلفنا فيه وأنتم ما جفت أقدامكم من ماء البحر حتى قلتم لنبيكم اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة
وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ ياقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِى وَأَطِيعُوا أَمْرِى قَالُواْ لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى
اعلم أن هارون عليه السلام إنما قال ذلك شفقة منه على نفسه وعلى الخلق أما شفقته على نفسه فلأنه كان مأمورًا من عند الله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكان مأمورًا من عند أخيه موسى عليه السلام بقوله اخْلُفْنِى فِى قَوْمِى وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ( الأعراف 142 ) فلو لم يشتغل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكان مخالفًا لأمر الله تعالى ولأمر موسى عليه السلام وذلك لا يجوز أوحى الله تعالى إلى يوشع بن نون أني مهلك من قومك أربعين ألفًا من خيارهم وستين ألفًا من شرارهم فقال يا رب هؤلاء الأشرار فما بال الأخيار فقال إنهم لم يغضبوا لغضبي وقال ثابت البناني قال أنس قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من أصبح وهمه غير الله تعالى فليس من الله في شيء ومن أصبح لا يهتم بالمسلمين فليس منهم وعن الشعبي عن النعمان بن بشير عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ( مثل المؤمنين في تواددهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضو منه تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ) وقال أبو علي الحسن الغوري كنت في بعض المواضع فرأيت زورقًا فيها دنان مكتوب عليها لطيف فقلت للملاح إيش هذا فقال أنت صوفي فضولي وهذه خمور المعتضد فقلت له أعطني ذلك المدرى فقال لغلامه اعطه حتى نبصر إيش يعمل فأخذت المدرى وصعدت الزورق فكنت أكسر دنا دنا والملاح يصيح حتى بقي واحد فأمسكت فجاء صاحب السفينة فأخذني وحملني إلى المعتضد وكان سيفه قبل كلامه فلما وقع بصره علي قال من أنت قلت المحتسب قال من ولاك الحسبة قلت الذي ولاك الخلافة قال لم كسرت هذه الدنان قلت شفقة عليك إذا لم تصل يدي إلى دفع مكروه عنك قال فلم أبقيت هذا الواحد قلت إني لما كسرت هذه الدنان فإني إنما كسرتها حمية في دين الله فلما وصلت إلى هذا أعجبت فأمسكت ولو بقيت كما كنت لكسرته فقال اخرج يا شيخ فقد وليتك الحسبة فقلت كنت أفعله لله تعالى فلا أحب أن أكون شرطيًا وأما الشفقة على المسلمين فلأن الإنسان