فهرس الكتاب

الصفحة 4200 من 6606

بنهيه عن مد عينيه إلى ما متع به القوم فقال تعالى وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ وفيه مسائل

المسألة الأولى في قوله وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ وجهان أحدهما المراد منه نظر العين وهؤلاء قالوا مد النظر تطويله وأن لا يكاد يرده استحسانًا للمنظور إليه إعجابًا به كما فعل نظارة قارون حيث قالوا الدُّنْيَا يالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِى َ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظّ عَظِيمٍ ( القصص 79 ) حتى واجههم أولوا العلم والإيمان بقولهم وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لّمَنْ ءامَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ( القصص 80 ) وفيه أن النظر غير الممدود معفو عنه وذلك كما إذا نظر الإنسان إلى شيء مرة ثم غض ولما كان النظر إلى الزخارف كالمركوز في الطباع قيل وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ أي لا تفعل ما أنت معتاد له ولقد شدد المتقون في وجوب غض البصر عن أبنية الظلمة وعدد الفسقة في اللباس والمركوب وغير ذلك لأنهم اتخذوا هذه الأشياء لعيون النظارة فالناظر إليها محصل لغرضهم وكالمقوى لهم على اتخاذها القول الثاني قال أبو مسلم الذي نهى عنه بقوله وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ليس هو النظر بل هو الأسف أي لا تأسف على ما فاتك مما نالوه من حظ الدنيا

المسألة الثانية قال أبو رافع ( نزل ضيف بالنبي( صلى الله عليه وسلم ) فبعثني إلى يهودي لبيع أو سلف فقال والله لا أفعل ذلك إلا برهن فأخبرته بقوله فأمرني أن أذهب بدرعه إليه فنزل قوله تعالى وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ) وقال عليه السلام ( إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وإلى أعمالكم ) وقال أبو الدرداء الدنيا دار من لا دار له ومال من لا مال له ولها يجمع من لا عقل له وعن الحسن لولا حمق الناس لخربت الدنيا وعن عيسى ابن مريم عليه السلام قال لا تتخذوا الدنيا ربًا فتتخذكم لها عبيدًا وعن عروة بن الزبير أنه كان إذا رآى ما عند السلاطين يتلو هذه الآية وقال الصلاة يرحمكم الله أما قوله عز وجل إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ ( أي ) ألذذنا به والإمتاع الإلذاذ بما يدرك من المناظر الحسنة ويسمع من الأصوات المطربة ويشم من الروائح الطيبة وغير ذلك من الملابس والمناكح يقال أمتعه إمتاعًا ومتعه تمتيعًا والتفعيل يقتضي التكثير أما قوله أَزْواجًا مّنْهُمْ أي أشكالًا وأشباهًا من الكفار وهي من المزاوجة بين الأشياء وهي المشاكلة وذلك لأنهم أشكال في الذهاب عن الصواب وقال ابن عباس رضي الله عنهما أصنافًا منهم وقال الكلبي والزجاج رجالًا منهم أما قوله زَهْرَة َ الْحَيَواة ِ الدُّنْيَا ففي انتصابه أربعة أوجه أحدها على الذم وهو النصب على الاختصاص أو على تضمين متعنا معنى أعطينا وكونه مفعولًا ثانيًا له أو على إبداله من محل الجار والمجرور أو على إبداله من أزواجًا على تقدير ذوي فإن قيل ما معنى الزهرة فيمن حرك قلنا معنى الزهرة بعينه وهو الزينة والبهجة كما جاء في الجهرة قرىء أرنا الله جهرة وأن يكون جمع زاهر وصفًا لهم بأنهم زهرة هذه الدنيا لصفاء ألوانهم وتهلل وجوههم بخلاف ما عليه الصلحاء من شحوب الألوان والتقشف في الثياب أما قوله لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ فذكروا فيه وجوهًا أحدها لنعذبهم به كقوله فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَواة ِ الدُّنْيَا ( التوبة 55 ) وثانيها قال ابن عباس رضي الله عنهما إضلالًا مني لهم وثالثها قال الكبي ومقاتل تشديدًا في التكاليف عليهم لأن الإعراض عن الدنيا عند حضورها والإقبال إلى الله أشد من ذلك عند عدم حضورها ولذلك كان رجوع الفقراء إلى خدمة الله تعالى والتضرع إليه أكثر من تضرع الأغنياء ولأن على من أوتي الدنيا ضروبًا من التكليف لولاها لما لزمتهم تلك التكاليف ولأن القادر على المعاصي يكون الاجتناب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت