فهرس الكتاب

الصفحة 4348 من 6606

أما النوع الثاني وهو المأمور به فقد ذكر الله أمورًا أربعة الأول الصلاة وهو المراد من قوله ارْكَعُواْ وَاسْجُدُواْ وذلك لأن أشرف أركان الصلاة هو الركوع والسجود والصلاة هي المختصة بهذين الركنين فكان ذكرهما جاريًا مجرى ذكر الصلاة وذكر ابن عباس رضي الله عنهما أن الناس في أول إسلامهم كانوا يركعون ولا يسجدون حتى نزلت هذه الآية الثاني قوله وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ وذكروا فيه وجوهًا أحدها اعبدوه ولا تعبدوا غيره وثانيها واعبدوا ربكم في سائر المأمورات والمنهيات وثالثها افعلوا الركوع والسجود وسائر الطاعات على وجه العبادة لأنه لا يكفي أن يفعل فإنه ما لم يقصد به عبادة الله تعالى لا ينفع في باب الثواب فلذلك عطف هذه الجملة على الركوع والسجود الثالث قوله تعالى وَافْعَلُواْ الْخَيْرَ قال ابن عباس رضي الله عنهما يزيد به صلة الرحم ومكارم الأخلاق والوجه عندي في هذا الترتيب أن الصلاة نوع من أنواع العبادة والعبادة نوع من أنواع فعل الخير لأن فعل الخير ينقسم إلى خدمة المعبود الذي هو عبارة عن التعظيم لأمر الله وإلى الإحسان الذي هو عبارة عن الشفقة على خلق الله ويدخل فيه البر والمعروف والصدقة على الفقراء وحسن القول للناس فكأنه سبحانه قال كلفتكم بالصلاة بل كلفتكم بما هو أعم منها وهو العبادة بل كلفتكم بما هو أعم من العبادة وهو فعل الخيرات

أما قوله تعالى لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ فقيل معناه لتفلحوا والفلاح الظفر بنعيم الآخرة وقال الإمام أبو القاسم الأنصاري لعل كلمة للترجية فإن الإنسان قلما يخلو في أداء الفريضة من تقصير وليس هو على يقين من أن الذي أتي به هل هو مقبول عند الله تعالى والعواقب أيضًا مستورة ( وكل ميسر لما خلق له ) الرابع قوله تعالى وَجَاهِدُوا فِى اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ قال صاحب ( الكشاف ) فِى اللَّهِ أي في ذات الله ومن أجله يقال هو حق عالم وجد عالم أي عالم حقًا وجدًا ومنه حَقَّ جِهَادِهِ وههنا سؤالات

السؤال الأول ما وجه هذه الإضافة وكان القياس حق الجهاد فيه أو حق جهادكم فيه كما قال وَجَاهِدُوا فِى اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ والجواب الإضافة تكون بأدنى ملابسة واختصاص فلما كان الجهاد مختصًا بالله من حيث إنه مفعول لوجهه ومن أجله صحت الإضافة إليه

السؤال الثاني ما هذا الجهاد الجواب فيه وجوه أحدها أن المراد قتال الكفار خاصة ومعنى حَقَّ جِهَادِهِ أن لا يفعل إلا عبادة لا رغبة في الدنيا من حيث الإسم أو الغنيمة والثاني أن يجاهدوا آخرًا كما جاهدوا أولًا فقد كان جهادهم في الأول أقوى وكانوا فيه أثبت نحو صنعهم يوم بدر روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال لعبد الرحمن بن عوف أما علمت أنا كنا نقرأ وَجَاهِدُوا فِى اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ في آخر الزمان كما جاهدتموه في أوله فقال عبد الرحمن ومتى ذاك يا أمير المؤمنين قال إذا كانت بنو أمية الأمراء وبنو المغيرة الوزراء واعلم أنه يبعد أن تكون هذه الزيادة من القرآن وإلا لنقل كنقل نظائره ولعله إن صح ذلك عن الرسول فإنما قاله كالتفسير للآية وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قرأ وجاهدوا في الله حق جهاده كما جاهدتم أول مرة فقال عمر من الذي أمرنا بجهاده فقال قبيلتان من قريش مخزوم وعبد شمس فقال صدقت والثالث قال ابن عباس حق جهاده لا تخافوا في الله لومة لائم والرابع قال الضحاك واعملوا لله حق عمله والخامس استفرغوا وسعكم في إحياء دين الله وإقامة حقوقه بالحرب باليد واللسان وجميع ما يمكن وردوا أنفسكم عن الهوى والميل والوجه السادس قال عبدالله بن المبارك حق جهاده

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت