فهرس الكتاب
الملائكة ليس لكونهم آلهة بل لأن الله تعالى اصطفاهم لمكان عبادتهم فكأنه تعالى بين أنهم ما قدروا الله حق قدره أن جعلوا الملائكة معبودين مع الله ثم بين سبحانه بقوله إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ أنه يسمع ما يقولون ويرى ما يفعلون ولذلك أتبعه بقوله يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ فقال بعضهم ما تقدم في الدنيا وما تأخر وقال بعضهم مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ أمر الآخرة وَمَا خَلْفَهُمْ أمر الدنيا ثم أتبعه بقوله وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الامُورُ فقوله يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ إشارة إلى العلم التام وقوله وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الامُورُ إشارة إلى القدرة التامة والتفرد بالإلهية والحكم ومجموعهما يتضمن نهاية الزجر عن الإقدام على المعصية
ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ ارْكَعُواْ وَاسْجُدُواْ وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ وَافْعَلُواْ الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَجَاهِدُوا فِى اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّة َ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِى هَاذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُواْ الصَّلَواة َ وَءَاتُواْ الزَّكَواة َ وَاعْتَصِمُواْ بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ
اعلم أنه سبحانه لما تكلم في الإلهيات ثم في النبوات أتبعه بالكلام في الشرائع وهو من أربع أوجه أولها تعيين المأمور وثانيها أقسام المأمور به وثالثها ذكر ما يوجب قبول تلك الأوامر ورابعها تأكيد ذلك التكليف
أما النوع الأول وهو تعيين المأمور فهو قوله تعالى ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وفيه قولان أحدهما المراد منه كل المكلفين سواء كان مؤمنًا أو كافرًا لأن التكليف بهذه الأشياء عام في كل المكلفين فلا معنى لتخصيص المؤمنين بذلك والثاني أن المراد بذلك المؤمنون فقط أما أولًا فلأن اللفظ صريح فيه وأما ثانيًا فلأن قوله بعد ذلك هُوَ اجْتَبَاكُمْ وقوله هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ وقوله وَتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ كل ذلك لا يليق إلا بالمؤمنين أقصى ما في الباب أن يقال لما كان ذلك واجبًا على الكل فأي فائدة في تخصيص المؤمنين لكنا نقول تخصيصهم بالذكر لا يدل على نفي ذلك عما عداهم بل قد دلت هذه الآية على كونهم على التخصيص مأمورين بهذه الأشياء ودلت سائر الآيات على كون الكل مأمورين بها ويمكن أن يقال فائدة التخصيص أنه لما جاء الخطاب العام مرة بعد أخرى ثم إنه ما قبله إلا المؤمنون خصهم الله تعالى بهذا الخطاب ليكون ذلك كالتحريض لهم على المواظبة على قبوله وكالتشريق لهم في ذلك الإقرار والتخصيص