فهرس الكتاب

الصفحة 442 من 6606

تحريم واحتجوا عليه بأمور أحدها أن قوله تعالى وَلاَ تَقْرَبَا هَاذِهِ الشَّجَرَة َ كقوله وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ ( البقرة 222 ) وقوله وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِى هِى َ أَحْسَنُ ( الأنعام 152 ) فكما أن هذا للتحريم فكذا الأول وثانيها أنه قال فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ ( البقرة 35 ) معناه إن أكلتما منها فقد ظلمتما أنفسكما ألا تراهما لما أكلا قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا ( الأعراف 23 ) وثالثها أن هذا النهي لو كان نهي تنزيه لما استحق آدم بفعله الإخراج من الجنة ولما وجبت التوبة عليه والجواب عن الأول نقول إن النهي وإن كان في الأصل للتنزيه ولكنه قد يحمل على التحريم لدلالة منفصلة وعن الثاني أن قوله فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ أي فتظلما أنفسكما بفعل ما الأولى بكما تركه لأنكما إذا فعلتما ذلك أخرجتما من الجنة التي لا تظمآن فيها ولا تجوعان ولا تضحيان ولا تعريان إلى موضع ليس لكما فيه شيء من هذا وعن الثالث أنا لا نسلم أن الإخراج من الجنة كان لهذا السبب وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى

البحث الثاني قال قائلون قوله وَلاَ تَقْرَبَا هَاذِهِ الشَّجَرَة َ يفيد بفحواه النهي عن الأكل وهذا ضعيف لأن النهي عن القرب لا يفيد النهي عن الأكل إذ ربما كان الصلاح في ترك قربها مع أنه لو حمل إليه لجاز له أكله بل هذا الظاهر يتناول النهي عن القرب وأما النهي عن الأكل فإنما عرف بدلائل أخرى وهي قوله تعالى في غير هذا الموضع فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَة َ بَدَتْ لَهُمَا ( الأعراف 22 ) ولأنه صدر الكلام في باب الإباحة بالأكل فقال الْجَنَّة َ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا فصار ذلك كالدلالة على أنه تعالى نهاهما عن أكل ثمرة تلك الشجرة لكن النهي عن ذلك بهذا القول يعم الأكل وسائر الانتفاعات ولو نص على الأكل ما كان يعم كل ذلك ففيه مزيد فائدة

المسألة الثامنة اختلفوا في الشجرة ما هي فروى مجاهد وسعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنها البر والسنبلة وروي أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه سأل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عن الشجرة فقال هي الشجرة المباركة السنبلة وروى السدي عن ابن عباس وابن مسعود أنها الكرم وعن مجاهد وقتادة أنها التين وقال الربيع بن أنس كانت شجرة من أكل منها أحدث ولا ينبغي أن يكون في الجنة حدث واعلم أنه ليس في الظاهر ما يدل على التعيين فلا حاجة أيضًا إلى بيانه لأنه ليس المقصود من هذا الكلام أن يعرفنا عين تلك الشجرة وما لا يكون مقصودًا في الكلام لا يجب على الحكيم أن يبينه بل ربما كان بيانه عبثًا لأن أحدنا لو أراد أن يقيم العذر لغيره في التأخر فقال شغلت بضرب علماني لإساءتهم الأدب لكان هذا القدر أحسن من أن يذكر عين هذا الغلام ويذكر اسمه وصفته فليس لأحد أن يظن أنه وقع ههنا تقصير في البيان ثم قال بعضهم الأقرب في لفظ الشجرة أن يتناول ماله ساق وأغصان وقيل لا حاجة إلى ذلك لقوله تعالى وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَة ً مّن يَقْطِينٍ ( الصافات 146 ) مع أنها كالزرع والبطيخ فلم يخرجه ذهابه على وجه الأرض من أن يكون شجرًا قال المبرد وأحسب أن كل ما تفرعت له أغصان وعيدان فالعرب تسميه شجرًا في وقت تشعبه وأصل هذا أنه كل ما شجر أي أخذ يمنه ويسرة يقال رأيت فلانًا في شجرته الرماح وقال تعالى حَتَّى يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ( النساء 65 ) وتشاجر الرجلان في أمر كذا

المسألة التاسعة اتفقوا على أن المراد بقوله تعالى فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ هو أنكما إن أكلتما فقد ظلمتما أنفسكما لأن الأكل من الشجرة ظلم الغير وقد يكون ظالمًا بأن يظلم نفسه وبأن يظلم غيره

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت