فهرس الكتاب

الصفحة 441 من 6606

الأرض القول الثالث وهو قول جمهور أصحابنا أن هذه الجنة هي دار الثواب والدليل عليه أن الألف واللام في لفظ الجنة لا يفيدان العموم لأن سكنى جميع الجنان محال فلا بد من صرفها إلى المعهود السابق والجنة التي هي المعهودة المعلومة بين المسلمين هي دار الثواب فوجب صرف اللفظ إليها والقول الرابع أن الكل ممكن والأدلة النقلية ضعيفة ومتعارضة فوجب التوقف وترك القطع والله أعلم

المسألة الخامسة قال صاحب الكشاف السكنى من السكون لأنها نوع من اللبث والاستقرار و ( أنت ) تأكيد للمستكن في ( اسكن ) ليصح العطف عليه و ( رغدًا ) وصف للمصدر أي أكلا رغدًا واسعًا رافهًا و ( حيث ) للمكان المبهم أي أي مكان من الجنة شئتما فالمراد من الآية إطلاق الأكل من الجنة على وجه التوسعة البالغة حيث لم يحظر عليهما بعض الأكل ولا بعض المواضع حتى لا يبقى لهما عذر في التناول من شجرة واحدة من بين أشجارها الكثيرة

المسألة السادسة لقائل أن يقول إنه تعالى قال ههنا وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا وقال في الأعراف فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا ( الأعراف 19 ) فعطف كَلاَّ على قوله اسْكُنْ في سورة البقرة بالواو وفي سورة الأعراف بالفاء فما الحكمة والجواب كل فعل عطف عليه شيء وكان الفعل بمنزلة الشرط وذلك الشيء بمنزلة الجزء عطف الثاني على الأول بالفاء دون الواو كقوله تعالى وَإِذَا قُلْنَا ادْخُلُواْ هَاذِهِ الْقَرْيَة َ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا ( البقرة 58 ) فعطف كلوا على ادخلوا بالفاء لما كان وجود الأكل منها متعلقًا بدخولها فكأنه قال إن أدخلتموها أكلتم منها فالدخول موصل إلى الأكل والأكل متعلق وجوده بوجوده يبين ذلك قوله تعالى في مثل هذه الآية من سورة الأعراف وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُواْ هَاذِهِ الْقَرْيَة َ وَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ ( الأعراف 161 ) فعطف كلوا على قوله اسكنوا بالواو دون الفاء لأن اسكنوا من السكنى وهي المقام مع طول اللبث والأكل لا يختص وجوده بوجوده لأن من دخل بستانًا قد يأكل منه وإن كان مجتازًا فلما لم يتعلق الثاني بالأول تعلق الجزاء بالشرط وجب العطف بالواو دون الفاء إذا ثبت هذا فنقول إن اسْكُنْ يقال لمن دخل مكانًا فيراد منه الزم المكان الذي دخلته ولا تنتقل عنه ويقال أيضًا لمن لم يدخل اسكن هذا المكان يعني ادخله واسكن فيه ففي سورة البقرة هذه الأمر إنما ورد بعد أن كان آدم في الجنة فكان المراد منه اللبث والاستقرار وقد بينا أن الأكل لا يتعلق به فلا جرم ورد بلفظ الواو وفي سورة الأعراف هذا الأمر إنما ورد قيل أن دخل الجنة فكان المراد منه دخول الجنة وقد بينا أن الأكل يتعلق به فلا جرم ورد بلفظ الفاء والله أعلم

المسألة السابعة قوله وَلاَ تَقْرَبَا هَاذِهِ الشَّجَرَة َ لا شبهة في أنه نهى ولكن فيه بحثان الأول أن هذا نهي تحريم أو نهي تنزيه فيه خلاف فقال قائلون هذه الصيغة لنهي التنزيه وذلك لأن هذه الصيغة وردت تارة في التنزيه وأخرى في التحريم والأصل عدم الاشتراك فلا بد من جعل اللفظ حقيقة في القدر المشترك بين القسمين وما ذلك إلا أن يجعل حقيقة في ترجيح جانب الترك على جانب الفعل من غير أن يكون فيه دلالة على المنع من الفعل أو على الإطلاق فيه لكن الإطلاق فيه كان ثابتًا بحكم الأصل فإن الأصل في المنافع الإباحة فإذا ضممنا مدلول اللفظ إلى هذا الأصل صار المجموع دليلًا على التنزيه قالوا وهذا هو الأولى بهذا المقام لأن على هذا التقدير يرجع حاصل معصية آدم عليه السلام إلى ترك الأولى ومعلوم أن كل مذهب كان أفضى إلى عصمة الأنبياء عليهم السلام كان أولى بالقبول وقال آخرون بل هذا النهي نهي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت