فهرس الكتاب
المؤمن في قوله تعالى نُّورٌ عَلَى نُورٍ ( النور 35 ) وفي قوله يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم ( الحديد 12 ) ولهذا قال أبي بن كعب الكافر يتقلب في خمس من الظلم كلامه وعمله ومدخله ومخرجه ومصيره إلى النار وفي كيفية هذا التشبيه وجوه أخر أحدها أن الله تعالى ذكر ثلاثة أنواع من الظلمات ظلمة البحر وظلمة الأمواج وظلمة السحاب وكذا الكافر له ظلمات ثلاثة ظلمة الاعتقاد وظلمة القول وظلمة العمل عن الحسن وثانيها شبهوا قلبه وبصره وسمعه بهذه الظلمات الثلاث عن ابن عباس وثالثها أن الكافر لا يدري ولا يدري أنه لا يدري ويعتقد أنه يدري فهذه المراتب الثلاث تشبه تلك الظلمات ورابعها أن هذه الظلمات متراكمة فكذا الكفار لشدة إصراره على كفره قد تراكمت عليه الضلالات حتى أن أظهر الدلائل إذا ذكرت عنده لا يفهمها وخامسها قلب مظلم في صدر مظلم
أما قوله ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ فروي عن ابن كثير أنه قرأ ( سحاب ) وقرأ ( ظلمات ) بالجر على البدل من قوله أَوْ كَظُلُمَاتٍ وعنه أيضًا أنه قرأ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ كما يقال سحاب رحمة وسحاب عذاب على الإضافة وقراءة الباقين سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ كلاهما بالرفع والتنوين وتمام الكلام عند قوله سَحَابٌ ثم ابتدأ ظُلُمَاتِ أي ما تقدم ذكره ظلمات بعضها فوق بعض
أما قوله لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا ففيه قولان أحدهما أن كاد نفيه إثبات وإثباته نفي فقوله وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ ( البقرة 71 ) نفي في اللفظ ولكنه إثبات في المعنى لأنهم فعلوا ذلك وقوله عليه الصلاة والسلام ( كاد الفقر أن يكون كفرًا ) إثبات في اللفظ لكنه نفي في المعنى لأنه لم يكفر فكذا ههنا قوله لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا معناه أنه رآها والثاني أن كاد معناه المقاربة فقوله لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا معناه لم يقارب الوقوع ومعلوم أن الذي لم يقارب الوقوع لم يقع أيضًا وهذا القول هو المختار والأول ضعيف لوجهين الأول أن ما يكون أقل من هذه الظلمات فإنه لا يرى فيه شيء فكيف مع هذه الظلمات الثاني أن المقصود من هذا التمثيل المبالغة في جهالة الكفار وذلك إنما يحصل إذا لم توجد الرؤية ألبتة مع هذه الظلمات
أما قوله وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُورٍ فقال أصحابنا إنه سبحانه لما وصف هداية المؤمن بأنها في نهاية الجلاء والظهور عقبها بأن قال يَهْدِى اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء ولما وصف ضلالة الكافر بأنها في نهاية الظلمة عقبها بقوله وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُورٍ والمقصود من ذلك أن يعرف الإنسان أن ظهور الدلائل لا يفيد الإيمان وظلمة الطريق لا تمنع منه فإن الكل مربوط بخلق الله تعالى وهدايته وتكوينه وقال القاضي المراد بقوله وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا أي في الدنيا بالألطاف فَمَا لَهُ مِن نُورٍ أي لا يهتدي فيتحير ويحتمل وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا أي مخلصًا في الآخرة وفوزًا بالثواب فَمَا لَهُ مِن نُورٍ والكلام عليه تزييفًا وتقريرًا معلوم
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِى السَّمَاوَاتِ وَالاٌّرْضِ وَالطَّيْرُ صَآفَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ وَللَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالاٌّرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِى سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَآءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَآءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَآءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالاٌّ بْصَارِ يُقَلِّبُ اللَّهُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِى ذالِكَ لَعِبْرَة ً لأُوْلِى الاٌّبْصَارِ وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّة ٍ مِّن مَّآءٍ فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِى عَلَى بَطْنِهِ وَمِنهُمْ مَّن يَمْشِى عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِى عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَآءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَى ْءٍ قَدِيرٌ لَّقَدْ أَنزَلْنَآ ءَايَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ وَيِقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ مِّن بَعْدِ ذالِكَ وَمَآ أُوْلَائِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ وَإِذَا دُعُواْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ مُّعْرِضُونَ وَإِن يَكُنْ لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ أَفِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَائِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ