فهرس الكتاب
بعيد يظنه ماء جاريًا يقال سرب الماء يسرب سروبًا إذا جرى فهو سارب أما الآل فهو ما يتراءى للعين في أول النهار فيرى الناظر الصغير كبيرًا وظاهر كلام الخليل أن الآل والسراب واحد وأما القيعة فقال الفراء هو جمع قاع مثل جار وجيرة والقاع المنبسط المستوي من الأرض وقال صاحب ( الكشاف ) القيعة بمعنى القاع وقال الزجاج الظمآن قد يخفف همزه وهو الشديد العطش ثم وجه التشبيه أن الذي يأتي به الكافر إن كان من أفعال البر فهو لا يستحق عليه ثوابًا مع أنه يعتقد أن له ثوابًا عليه وإن كان من أفعال الإثم فهو يستحق عليه عقابًا مع أنه يعتقد أنه يستحق عليه ثوابًا فكيف كان فهو يعتقد أن له ثوابًا عند الله تعالى فإذا وافى عرصات القيامة ولم يجد الثواب بل وجد العقاب العظيم عظمت حسرته وتناهى غمه فيشبه حاله حال الظمآن الذي تشتد حاجته إلى الماء فإذا شاهد السراب تعلق قلبه به ويرجو به النجاة ويقوى طمعه فإذا جاءه وأيس مما كان يرجوه فيعظم ذلك عليه وهذا المثال في غاية الحسن قال مجاهد السراب عمل الكافر وإتيانه إياه موته ومفارقة الدنيا فإن قيل قوله حَتَّى إِذَا جَاءهُ يدل على كونه شيئًا وقوله لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا مناقض له قلنا الجواب عنه من وجوه ثلاثة الأول المراد معناه أنه لم يجده شيئًا نافعًا كما يقال فلان ما عمل شيئًا وإن كان قد اجتهد الثاني حتى إذا جاءه أي جاء موضع السراب لم يجد السراب شيئًا فاكتفى بذكر السراب عن ذكر موضعه الثالث الكناية للسراب لأن السراب يرى من بعيد بسبب الكثافة كأنه ضباب وهباء وإذا قرب منه رق وانتثر وصار كالهواء
أما قوله وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ أي وجد عقاب الله الذي توعد به الكافر عند ذلك فتغير ما كان فيه من ظن النفع العظيم إلى تيقن الضرر العظيم أو وجد زبانية الله عنده يأخذونه فيقبلون به إلى جهنم فيسقونه الحميم والغساق وهم الذين قال الله تعالى فيهم عَامِلَة ٌ نَّاصِبَة ٌ ( الغاشية 3 ) وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ( الكهف 104 ) وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ ( الفرقان 23 ) وقيل نزلت في عتبة بن ربيعة بن أمية كان قد تعبد ولبس المسوح والتمس الدين في الجاهلية ثم كفر في الإسلام
أما قوله وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ فذاك لأنه سبحانه عالم بجميع المعلومات فلا يشق عليه الحساب وقال بعض المتكلمين معناه لا يشغله محاسبة واحد عن آخر كنحن ولو كان يتكلم بآلة كما يقوله المشبهة لما صح ذلك وأما المثل الثاني فهو قوله أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِى بَحْرٍ لُّجّى ّ وفي لفظة ( أو ) ههنا وجوه أحدها اعلم أن الله تعالى بين أن أعمال الكفار إن كانت حسنة فمثلها السراب وإن كانت قبيحة فهي الظلمات وثانيها تقدير الكلام أن أعمالهم إما كسراب بقيعة وذلك في الآخرة وإما كظلمات في بحر وذلك في الدنيا وثالثها الآية الأولى في ذكر أعمالهم وأنهم لا يتحصلون منها على شيء والآية الثانية في ذكر عقائدهم فإنها تشبه الظلمات كما قال يُخْرِجُهُم مّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ( البقرة 257 ) أي من الكفر إلى الإيمان يدل عليه قوله تعالى وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُورٍ ( النور 40 ) وأما البحر اللجي فهو ذو اللجنة التي هي معظم الماء الغمر البعيد القعر وفي اللجى لغتان كسر اللام وضمها وأما تقرير المثل فهو أن البحر اللجي يكون قعره مظلمًا جدًا بسبب غمورة الماء فإذا ترادفت عليه الأمواج ازدادت الظلمة فإذا كان فوق الأمواج سحاب بلغت الظلمة النهاية القصوى فالواقع في قعر هذا البحر اللجى يكون في نهاية شدة الظلمة ولما كانت العادة في اليد أنها من أقرب ما يراها ومن أبعد ما يظن أنه لا يراها فقال تعالى لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وبين سبحانه بهذا البلوغ تلك الظلمة إلى أقصى النهايات ثم شبه به الكافر في اعتقاده وهو ضد