فهرس الكتاب
لهم دينهم وتمكينه ذلك هو أن يؤيدهم بالنصرة والإعزاز ويبدلهم من بعد خوفهم من العدو أمنًا بأن ينصرهم عليهم فيقتلوهم ويأمنوا بذلك شرهم فيعبدونني آمنين لا يشركون بي شيئًا ولا يخافون وَمَن كَفَرَ أي من بعد هذا الوعد وارتد فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ
واعلم أن هذه الآية مشتملة على بيان أكثر المسائل الأصولية الدينية فلنشر إلى معاقدها
المسألة الأولى قوله تعالى وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءامَنُواْ مِنْكُمْ يدل على أنه سبحانه متكلم لأن الوعد نوع من أنواع الكلام والموصوف بالنوع موصوف بالجنس ولأنه سبحانه ملك مطاع والملك المطاع لا بد وأن يكون بحيث يمكنه وعد أوليائه ووعيد أعدائه فثبت أنه سبحانه متكلم
المسألة الثانية الآية تدل على أنه سبحانه يعلم الأشياء قبل وقوعها خلافًا لهشام بن الحكم فإنه قال لا يعلمها قبل وقوعها ووجه الاستدلال به أنه سبحانه أخبر عن وقوع شيء في المستقبل إخبارًا على التفصيل وقد وقع المخبر مطابقًا للخبر ومثل هذا الخبر لا يصح إلا مع العلم
المسألة الثالثة الآية تدل على أنه سبحانه حي قادر على جميع الممكنات لأنه قال لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى الاْرْضِ وَلَيُمَكّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِى ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدّلَنَّهُمْ مّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا وقد فعل كل ذلك وصدور هذه الأشياء لا يصح إلا من القادر على كل المقدورات
المسألة الرابعة الآية تدل على أنه سبحانه هو المستحق للعبادة لأنه قال يَعْبُدُونَنِى وقالت المعتزلة الآية تدل على أن فعل الله تعالى معلل بالغرض لأن المعنى لكي يعبدوني وقالوا أيضًا الآية دالة على أنه سبحانه يريد العبادة من الكل لأن من فعل فعلًا لغرض فلا بد وأن يكون مريدًا لذلك الغرض
المسألة الخامسة دلت الآية على أنه تعالى منزه عن الشريك لقوله لاَ يُشْرِكُونَ بِى شَيْئًا وذلك يدل على نفي الإله الثاني وعلى أنه لا يجوز عبادة غير الله تعالى سواء كان كوكبًا كما تقوله الصابئة أو صنمًا كما تقوله عبدة الأوثان
المسألة السادسة دلت الآية على صحة نبوة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) لأنه أخبر عن الغيب في قوله لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى الاْرْضِ وَلَيُمَكّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِى ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدّلَنَّهُمْ مّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا وقد وجد هذا المخبر موافقًا للخبر ومثل هذا الخبر معجز والمعجز دليل الصدق فدل على صدق محمد ( صلى الله عليه وسلم )
المسألة السابعة دلت الآية على أن العمل الصالح خارج عن مسمى الإيمان خلافًا للمعتزلة لأنه عطف العمل الصالح عن الإيمان والمعطوف خارج عن المعطوف عليه
المسألة الثامنة دلت الآية على إمامة الأئمة الأربعة وذلك لأنه تعالى وعد الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الحاضرين في زمان محمد ( صلى الله عليه وسلم ) وهو المراد بقوله ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وأن يمكن لهم دينهم المرضي وأن يبدلهم بعد الخوف أمنًا ومعلوم أن المراد بهذا الوعد بعد الرسول هؤلاء لأن استخلاف غيره لا يكون إلا بعده ومعلوم أنه لا نبي بعده لأنه خاتم الأنبياء فإذن المراد بهذا الاستخلاف طريقة الإمامة ومعلوم أن بعد الرسول الاستخلاف الذي هذا وصفه إنما كان في أيام أبي بكر وعمر وعثمان لأن في أيامهم كانت الفتوح العظيمة وحصل التمكين وظهور الدين والأمن ولم يحصل