فهرس الكتاب

الصفحة 4627 من 6606

اعلم أن فاتحة هذه القصة وفاتحة قصة نوح عليه السلام واحدة فلا فائدة في إعادة التفسير ثم إنه تعالى ذكر الأمور التي تكلم فيها هود عليه السلام معهم وهي ثلاثة فأولها قوله أَتَبْنُونَ بِكُلّ رِيعٍ ءايَة ً تَعْبَثُونَ قرىء بِكُلّ رِيعٍ بالكسر والفتح وهو المكان المرتفع ومنه قوله كم ريع أرضك وهو ارتفاعها والآية العلم ثم فيه وجوه أحدها عن ابن عباس أنهم كانوا يبنون بكل ريع علمًا يعبئون فيه بمن يمر في الطريق إلى هود عليه السلام والثاني أنهم كانوا يبنون في الأماكن المرتفعة ليعرف بذلك غناهم تفاخرًا فنهوا عنه ونسبوا إلى العبث والثالث أنهم كانوا ممن يهتدون بالنجوم في أسفارهم فاتخذوا في طريقهم أعلامًا طوالًا فكان ذلك عبثًا لأنهم كانوا مستغنين عنها بالنجوم الرابع بنوا بكل ريع بروج الحمام وثانيها قوله وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ المصانع مآخذ الماء وقيل القصور المشيدة والحصون لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ترجون الخلد في الدنيا أو يشبه حالكم حال من يخلد وفي مصحف أبي ( كأنكم ) وقرىء ( تخلدون ) بضم التاء مخففًا ومشددًا واعلم أن الأول إنما صار مذمومًا لدلالته إما على السرف أو على الخيلاء والثاني إنما صار مذمومًا لدلالته على الأمل الطويل والغفلة عن أن الدنيا دار ممر لا دار مقر وثالثها قوله وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ بين أنهم مع ذلك السرف والحرص فإن معاملتهم مع غيرهم معاملة الجبارين وقد بينا في غير هذا الموضع أن هذا الوصف في العباد ذم وإن كان في وصف الله تعالى مدحًا فكأن من يقدم على الغير لا على طريق الحق ولكن على طريق الاستعلاء يوصف بأن بطشه بطش جبار وحاصل الأمر في هذه الأمور الثلاثة أن اتخاذ الأبنية العالية يدل على حب العلو واتخاذ المصانع يدل على حب البقاء والجبارية تدل على حب التفرد بالعلو فيرجع الحاصل إلى أنهم أحبوا العلو وبقاء العلو والتفرد بالعلو وهذه صفات الإلهية وهي ممتنعة الحصول للعبد فدل ذلك على أن حب الدنيا قد استولى عليهم بحيث استغرقوا فيه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت