فهرس الكتاب

الصفحة 4720 من 6606

الهداية في قوله إِنَّكَ لاَ تَهْدِى شيئًا وفي قوله وَلَاكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاء شيئًا آخر لاختل النظم ثم إما أن يكون المراد من الهداية بيان الدلالة أو الدعوة إلى الجنة أو تعريف طريق الجنة أو خلق المعرفة في القلوب على سبيل الإلجاء أو خلق المعرفة في القلوب لا على سبيل الإلجاء لا جائز أن يكون المراد بيان الأدلة لأنه عليه السلام هدى الكل بهذا المعنى فهي غير الهداية التي نفى الله عمومها وكذا القول في الهداية بمعنى الدعوة إلى الجنة وأما الهداية بمعنى تعريف طريق الجنة فهي أيضًا غير مرادة من الآية لأنه تعالى علق هذه الهداية على المشيئة وتعريف طريق الجنة غير معلق على المشيئة لأنه واجب على الله تعالى والواجب لا يكون معلقًا على المشيئة فمن وجب عليه أداء عشرة دنانير لا يجوز أن يقول إني أعطي عشرة دنانير إن شئت وأما الهداية بمعنى الإلجاء والقسر فغير جائز لأن ذلك عندهم قبيح من الله تعالى في حق المكلف وفعل القبيح مستلزم للجهل أو الحاجة وهما محالان ومستلزم المحال محال فذلك محال من الله تعالى والمحال لا يجوز تعليقه في المشيئة ولما بطلت الأقسام لم يبق إلا أن المراد أنه تعالى يخص البعض بخلق الهداية والمعرفة ويمنع البعض منها ولا يسأل عما يفعل ومتى أوردت الكلام على هذا الوجه سقط كل ما أورده القاضي عذرًا عن ذلك

أما قوله وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ فالمعنى أنه المختص بعلم الغيب فيعلم من يهتدي بعد ومن لا يهتدي ثم إنه سبحانه بعد أن ذكر شبههم وأجاب عنها بالأجوبة الواضحة وبين أن وضوح الدلائل لا يكفي ما لم ينضم إليه هداية الله تعالى حكى عنهم شبهة أخرى متعلقة بأحوال الدنيا وهي قولهم إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا ( القصص 57 ) قال المبرد الخطف الانتزاع بسرعة روى أن الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف قال لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إنا لنعلم أن الذي تقوله حق ولكن يمنعنا من ذلك تخطفنا من أرضنا أي يجتمعون على محاربتنا ويخرجوننا من أرضنا فأجاب الله سبحانه وتعالى عنها من وجوه الأول قوله أَوَ لَمْ نُمَكّن لَّهُمْ حَرَمًا ءامِنًا أي أعطيناكم مسكنًا لا خوف لكم فيه إما لأن العرب كانوا يحترمون الحرم وما كانوا يتعرضون ألبتة لسكانه فإنه يروى أن العرب خارج الحرم كانوا مشتغلين بالنهب والغارة وما كانوا يتعرضون ألبتة لسكان الحر أو لقوله تعالى وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءامِنًا ( آل عمران 97 ) وأما قوله يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلّ شَى ْء فهو تعالى كما بين كون ذلك الموضع خاليًا عن المخاوف والآفات بين كثرة النعم فيه ومعنى يُجْبَى يجمع من قولهم جبيت الماء في الحوض إذا جمعته قرأ أهل المدينة تجبى بالتاء وأهل الكوفة وأبو عمرو بالياء وذلك أن تأنيث الثمرات تأنيث جمع وليس بتأنيث حقيقي فيجوز تأنيثه على اللفظ وتذكيره على المعنى ومعنى الكلية الكثرة كقوله وَأُوتِيَتْ مِن كُلّ شَى ْء ( النمل 23 ) وحاصل الجواب أنه تعالى لما جعل الحرم آمنًا وأكثر فيه الرزق حال كونهم معرضين عن عبادة الله تعالى مقبلين على عبادة الأوثان فلو آمنوا لكان بقاء هذه الحالة أولى قال القاضي ولو أن الرسول قال لهم إن الذي ذكرتم من التخطف لو كان حقًا لم يكن عذرًا لكم في أن لا تؤمنوا وقد ظهرت الحجة لانقطعوا أو قال لهم إن تخطفهم لكن بالقتل وغيره وقد آمنتم كالشهادة لكم فهو نفع عائد علكيم لانقطعوا أيضًا ولو قال لهم ما قدر مضرة التخطف في جنب العقاب الدائم الذي أخوفكم منه إن بقيتم على كفركم لانقطعوا لكنه تعالى احتج بما هو أقوى من حيث بين كذبهم في أنهم يتخطفون من حيث عرفوا من حال البقعة بالعادة أن ذلك لا يجري إن آمنوا ومثل ذلك إذا أمكن بيانه للخصم فهو أولى من سائر ما ذكرنا فلذلك قدمه الله تعالى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت