فهرس الكتاب

الصفحة 4721 من 6606

والآية دالة على صحة الحجاج الذي يتوصل به إلى إزالة شبهة المبطلين بقي ههنا بحثان

الأول قال صاحب ( الكشاف ) في انتصاب رزقًا إن جعلته مصدرًا جاز أن ينتصب بمعنى ما قبله لأن معنى يجبى إليه ثمرات كل شيء ويرزق ثمرات كل شيء واحد وأن يكون مفعولًا له وإن جعلته بمعنى مرزوق كان حالًا من الثمرات لتخصيصها بالإضافة كما ينتصب عن النكرة المتخصصة بالصفة

الثاني احتج الأصحاب بقوله رّزْقًا مّن لَّدُنَّا في أن فعل العبد خلق الله تعالى وبيانه أن تلك الأرزاق إنما كانت تصل إليهم لأن الناس كانوا يحملونها إليهم فلو لم يكن فعل العبد خلقًا لله تعالى لما صحت تلك الإضافة فإن قيل سبب تلك الإضافة أنه تعالى هو الذي ألقى تلك الدواعي في قلوب من ذهب بتلك الأرزاق إليهم قلنا تلك الدواعي إن اقتضت الرجحان فقد بينا في غير موضع أنه متى حصل الرجحان فقد حصل الوجوب وحينئذ يحصل المقصود وإن لم يحصل الرجحان انقطعت الإضافة بالكلية واعلم أنه تعالى إنما بين أن تلك الأرزاق ما وصلت إليهم إلا من الله تعالى لأجل أنهم متى علموا ذلك صاروا بحيث لا يخافون أحدًا سوى الله تعالى ولا يرجون أحدًا غير الله تعالى فيبقى نظرهم منقطعًا عن الخلق متعلقًا بالخالق وذلك يوجب كمال الإيمان والإعراض بالكلية عن غير الله تعالى والإقبال بالكلية على طاعة الله تعالى

وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَة ٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِى أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ ءَايَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِى الْقُرَى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ

اعلم أن هذا هو الجواب الثاني عن تلك الشبهة وذلك لأنه تعالى لما بين لأهل مكة ما خصوا به من النعم أتبعه بما أنزله الله تعالى بالأمم الماضية الذين كانوا في نعم الدنيا فلما كذبوا الرسل أزال الله عنهم تلك النعم والمقصود أن الكفار لما قالوا إنا لا نؤمن خوفًا من زوال نعمة الدنيا فالله تعالى بين لهم أن الإصرار على عدم قبول الإيمان هو الذي يزيل هذه النعم لا الإقدام على الإيمان قال صاحب ( الكشاف ) البطر سوء احتمال الغنى وهو أن لا يحفظ حق الله تعالى فيه وانتصبت معيشتها إما بحذف الجار واتصال الفعل كقوله وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ ( الأعراف 155 ) أو بتقدير حذف الزمان المضاف وأصله بطرت أيام معيشتها وإما تضمين بطرت معنى كفرت

فأما قوله فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مّن بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلًا ففي هذا الاستثناء وجوه أحدها قال ابن عباس رضي الله عنهما لم يسكنها إلا المسافر ومار الطريق يومًا أو ساعة وثانيها يحتمل أن شؤم معاصي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت