فهرس الكتاب

الصفحة 4722 من 6606

المهلكين بقي أثره في ديارهم فكل من سكنها من أعقابهم لم يبق فيها إلا قليلًا وكنا نحن الوارثين لها بعد هلاك أهلها وإذا لم يبق للشيء مالك معين قيل إنه ميراث الله لأنه الباقي بعد فناء خلقه ثم إنه سبحانه لما ذكر أنه أهلك تلك القرى بسبب بطر أهلها فكأن سائلًا أورد السؤال من وجهين الأول لماذا ما أهلك الله الكفار قبل محمد ( صلى الله عليه وسلم ) مع أنهم كانوا مستغرقين في الكفر والعناد الثاني لماذا ما أهلكهم بعد مبعث محمد ( صلى الله عليه وسلم ) مع تمادي القوم في الكفر بالله تعالى والتكذيب بمحمد ( صلى الله عليه وسلم ) فأجاب عن السؤال الأول بقوله وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِى أُمّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ ءايَاتِنَا وحاصل الجواب أنه تعالى قدم بيان أن عدم البعثة يجري مجرى العذر للقوم فوجب أن لا يجوز إهلاكهم إلا بعد البعثة ثم ذكر المفسرون وجهين أحدهما وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِى أُمّهَا رَسُولًا أي في القرية التي هي أمها وأصلها وقصبتها التي هي أعمالها وتوابعها رسولًا لإلزام الحجة وقطع المعذرة الثاني وما كان ربك مهلك القرى التي في الأرض حتى يبعث في أم القرى يعني مكة رسولًا وهو محمد ( صلى الله عليه وسلم ) خاتم الأنبياء ومعنى يَتْلُو عَلَيْهِمْ ءايَاتِنَا يؤدي ويبلغ وأجاب عن السؤال الثاني بقوله وَمَا كُنَّا مُهْلِكِى الْقُرَى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ أنفسهم بالشرك وأهل مكة ليسوا كذلك فإن بعضهم قد آمن وبعضهم علم الله منهم أنهم سيؤمنون وبعض آخرون علم الله أنهم وإن لم يؤمنوا لكنه يخرج من نسلهم من يكون مؤمنًا

وَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَى ْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَواة ِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلاَ تَعْقِلُونَ أَفَمَن وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاَقِيهِ كَمَن مَّتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَواة ِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَة ِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ

اعلم أن هذا هو الجواب الثالث عن تلك الشبهة لأن حاصل شبهتهم أن قالوا تركنا الدين لئلا تفوتنا الدنيا فبين تعالى أن ذلك خطأ عظيم لأن ما عند الله خير وأبقى أما أنه خير فلوجهين أحدهما أن المنافع هناك أعظم وثانيهما أنها خالصة عن الشوائب ومنافع الدنيا مشوبة بالمضار فيها أكثر وأما أنها أبقى فلأنها دائمة غير منقطعة ومنافع الدنيا منقطعة ومتى قوبل المتناهي بغير المتناهي كان عدمًا فكيف ونصيب كل أحد بالقياس إلى منافع الدنيا كلها كالذرة بالقياس إلى البحر فظهر من هذا أن منافع الدنيا لا نسبة لها إلى منافع الآخرة ألبتة فكان من الجهل العظيم ترك منافع الآخرة لاستبقاء منافع الدنيا ولما نبه سبحانه على ذلك قال أَفَلاَ تَعْقِلُونَ يعني أن من لا يرجح منافع الآخرة على منافع الدنيا كأنه يكون خارجًا عن حد العقل ورحم الله الشافعي حيث قال من أوصى بثلث ماله لأعقل الناس صرف ذلك الثلث إلى المشتغلين بطاعة الله تعالى لأن أعقل الناس من أعطى القليل وأخذ الكثير وما هم إلا المشتغلون بالطاعة فكأنه رحمه الله إنما أخذه من هذه الآية ثم إنه تعالى أكد هذا الترجيح من وجه آخر وهو أنا لو قدرنا أن نعم الله كانت تنتهي إلى الانقطاع والفناء وما كانت تتصل بالعذاب الدائم لكان صريح العقل يقتضي ترجيح نعم الآخرة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت