فهرس الكتاب

الصفحة 4730 من 6606

قارون حملت المفاتيح على ستين بغلًا ومن الناس من طعن في هذا القول من وجهين الأول أن مال الرجل الواحد لا يبلغ هذا المبلغ ولو أنا قدرنا بلدة مملوءة من الذهب والجواهر لكفاها أعداد قليلة من المفاتيح فأي حاجة إلى تكثير هذه المفاتيح الثاني أن الكنوز هي الأموال المدخرة في الأرض فلا يجوز أن يكون لها مفاتيح والجواب عن الأول أن المال إذا كان من جنس العروض لا من جنس النقد جاز أن يبلغ في الكثرة إلى هذا الحد وأيضًا فهذا الذي يقال إن تلك المفاتيح بلغت ستين حملًا ليس مذكورًا في القرآن فلا تقبل هذه الرواية وتفسير القرآن أن تلك المفاتيح كانت كثيرة وكان كل واحد منها معينًا لشيء آخر فكان يثقل على العصبة ضبطها ومعرفتها بسبب كثرتها وعلى هذا الوجه يزول الاستبعاد وعن الثاني أن ظاهر الكنز وإن كان من جهة العرف ما قالوا فقد يقع على المال المجموع في المواضع التي عليها أغلاق القول الثاني وهو اختيار ابن عباس والحسن أن تحمل المفاتح على نفس المال وهذا أبين وعن الشبهة أبعد قال ابن عباس كانت خزائنه يحملها أربعون رجلًا أقوياء وكانت خزائنه أربعمائة ألف فيحمل كل رجل عشرة آلاف القول الثالث وهو اختيار أبي مسلم أن المراد من المفاتح العلم والإحاطة كقوله وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ ( الأنعام 59 ) والمراد آتيناه من الكنوز ما إن حفظها والاطلاع عليها ليثقل على العصبة أولي القوة والهداية أي هذه الكنوز لكثرتها واختلاف أصنافها تتعب حفظتها والقائمين عليها أن يحفظوها ثم إنه تعالى بين أنه كان في قومه من وعظه بأمور أحدها قوله لاَ تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْفَرِحِينَ والمراد لا يلحقه من البطر والتمسك بالدنيا ما يلهيه عن أمر الآخرة أصلًا وقال بعضهم إنه لا يفرح بالدنيا إلا من رضي بها واطمأن إليها فأما من يعلم أنه سيفارق الدنيا عن قريب لم يفرح بها وما أحسن ما قال المتنبي أشد الغم عندي في سرور

تيقن عنه صاحبه انتقالا

وأحسن وأوجز منه ما قال تعالى لّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَا ءاتَاكُمْ ( الحديد 23 ) قال ابن عباس كان فرحه ذلك شركًا لأنه ما كان يخاف معه عقوبة الله تعالى وثانيها قوله وَابْتَغِ فِيمَا ءاتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الاْخِرَة َ والظاهر أنه كان مقرًا بالآخرة والمراد أن يصرف المال إلى ما يؤديه إلى الجنة ويسلك طريقة التواضع وثالثها قوله وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وفيه وجوه أحدها لعله كان مستغرق الهم في طلب الدنيا فلأجل ذلك ما كان يتفرغ للتنعم والالتذاذ فنهاه الواعظ عن ذلك وثانيها لما أمره الواعظ بصرف المال إلى الآخرة بين له بهذا الكلام أنه لا بأس بالتمتع بالوجوه المباحة وثالثها المراد منه الإنفاق في طاعة الله فإن ذلك هو نصيب المرء من الدنيا دون الذي يأكل ويشرب قال عليه السلام ( فليأخذ العبد من نفسه لنفسه ومن دنياه لآخرته ومن الشبيبة قبل الكبر ومن الحياة قبل الموت فوالذي نفس محمد بيده ما بعد الموت من مستعتب ولا بعد الدنيا دار إلا الجنة والنار ) ورابعها قوله وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ لما أمره بالإحسان بالمال أمره بالإحسان مطلقًا ويدخل فيه الإعانة بالمال والجاه وطلاقة الوجه وحسن اللقاء وحسن الذكر وإنما قال كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ تنبيهًا على قوله لَئِن شَكَرْتُمْ لازِيدَنَّكُمْ ( إبراهيم 7 ) وخامسها قوله وَلاَ تَبْغِ الْفَسَادَ فِى الاْرْضِ والمراد ما كان عليه من الظلم والبغي وقيل إن هذا القائل هو موسى عليه السلام وقال آخرون بل مؤمنو قومه وكيف كان فقد جمع في هذا الوعظ ما لو قيل لم يكن عليه مزيد لكنه أبى أن يقبل بل زاد عليه بكفر النعمة فقال إنما أوتيته على علم عندي وفيه وجوه أحدها قال

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت