فهرس الكتاب
إلى دين ربك وأراد التشدد في دعاء الكفار والمشركين فلذلك قال وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكَينَ لأن من رضي بطريقتهم أو مال إليهم كان منهم ورابعها قوله وَلاَ تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءاخَرَ وهذا وإن كان واجبًا على الكل إلا أنه تعالى خاطبه به خصوصًا لأجل التعظيم فإن قيل الرسول كان معلومًا منه أن لا يفعل شيئًا من ذلك ألبتة فما فائدة هذا النهي قلنا لعل الخطاب معه ولكن المراد غيره ويجوز أن يكون المعنى لا تعتمد على غير الله ولا تتخذ غيره وكيلًا في أمورك فإن من وثق بغير الله تعالى فكأنه لم يكمل طريقه في التوحيد ثم بين أنه لا إله إلا هو أي لا نافع ولا ضار ولا معطي ولا مانع إلا هو كقوله رَّبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لاَ إله إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا ( المزمل 9 ) فلا يجوز اتخاذ إله سواء ثم قال كُلُّ شَى ْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ وفيه مسائل
المسألة الأولى اختلفوا في قوله كُلُّ شَى ْء هَالِكٌ فمن الناس من فسر الهلاك بالعدم والمعنى أن الله تعالى يعدم كل شيء سواه ومنهم من فسر الهلاك بإخراجه عن كونه منتفعًا به إما بالإماتة أو بتفريق الأجزاء وإن كانت أجزاؤه باقية فإنه يقال هلك الثوب وهلك المتاع ولا يريدون به فناء أجزائه بل خروجه عن كونه منتفعًا به ومنهم من قال معنى كونه هالكًا كونه قابلًا للهلاك في ذاته فإن كل ما عداه ممكن الوجود لذاته وكل ما كان ممكن الوجود كان قابلًا للعدم فكان قابلًا للهلاك فأطلق عليه اسم الهلاك نظرًا إلى هذا الوجه
واعلم أن المتكلمين لما أرادوا إقامة الدلالة على أن كل شيء سوى الله تعالى يقبل العدم والهلاك قالوا ثبت أن العالم محدث وكل ما كان محدثًا فإن حقيقته قابلة للعدم والوجود وكل ما كان كذلك وجب أن يبقى على هذه الحالة أبدًا لأن الإمكان من لوازم الماهية ولازم الماهية لا يزول قط إلا أنا لما نظرنا في هذه الدلالة ما وجدناها وافية بهذا الغرض لأنهم إنما أقاموا الدلالة على حدوث الأجسام والأعراض فلو قدروا على إقامة الدلالة على أن ما سوى الله تعالى إما متحيز أو قائم بالمتحيز لتم غرضهم إلا أن الخصم يثبت موجودات لا متحيزة ولا قائمة بالمتحيز فالدليل الذي يبين حدوث المتحيز والقائم بالمتحيز لا يبين حدوث كل ما سوى الله تعالى إلا بعد قيام الدلالة على نفي ذلك القسم الثالث ولهم في نفي هذا القسم الثالث طريقان أحدهما قولهم لا دليل عليه فوجب نفيه وهذه طريقة ركيكة بينا سقوطها في الكتب الكلامية والثاني قولهم لو وجد موجود هكذا لكان مشاركًا لله تعالى في نفي المكان والزمان والإمكان ولو كان كذلك لصار مثلًا لله تعالى وهو ضعيف لاحتمال أن يقال إنهما وإن اشتركا في هذا السلب إلا أنه يتميز كل واحد منهما عن الآخر بماهية وحقيقة وإذا كان كذلك ظهر أن دليلهم العقلي لا يفي بإثبات أن كل شيء هالك إلا وجهه والذي يعتمد عليه في هذا الباب أن نقول ثبت أن صانع العالم واجب الوجود لذاته فيستحيل وجود موجود آخر واجب لذاته وإلا لاشتركا في الوجوب وامتاز كل واحد منهما عن الآخر بخصوصيته وما به المشاركة غير ما به الممايزة فيكون كل واحد منهما مركبًا عما به المشاركة وعما به الممايزة وكل مركب ممكن مفتقر إلى جزئه ثم إن الجزأين إن كانا واجبين كانا مشتركين في الوجوب ومتمايزين باعتبار آخر فيلزم تركب كل واحد منهما أيضًا ويلزم التسلسل وهو محال وإن لم يكونا واجبين فالمركب عنهما المفتقر إليهما أولى أن لا يكون واجبًا فثبت أن واجب الوجود واحد وأن كل ما عداه فهو ممكن وكل ممكن فلا بد له من مرجح وافتقاره إلى المرجح إما حال عدمه أو حال وجوده فإن كان الأول