فهرس الكتاب

الصفحة 4737 من 6606

ثبت أنه محدث وإن كان الثاني فافتقار الموجود إلى المؤثر إما حال حدوثه أو حال بقائه والثاني باطل لأنه يلزم إيجاد الموجود وهو محال فثبت أن الافتقار لا يحصل إلا حال الحدوث وثبت أن كل ما سوى الله تعالى محدث سواء كان متحيزًا أو قائمًا بالمتحيز أو لا متحيزًا ولا قائمًا بالمتحيز فإن نقضت هذه الدلالة بذات الله وصفاته فاعلم أن هناك فرقًا قويًا وإذا ثبت حدوث كل ما سواه وثبت أن كل ما كان محدثًا كان قابلًا للعدم ثبت بهذا البرهان الباهر أن كل شيء هالك إلا وجهه بمعنى كونه قابلًا للهلاك والعدم ثم إن الذين فسروا الآية بذلك قالوا هذا أولى وذلك لأنه سبحانه حكم بكونها هالكة في الحال وعلى ما قلناه فهي هالكة في الحال وعلى ما قلتموه أنها ستهلك لا إنها هالكة في الحال فكان قولنا أولى وأيضًا فالممكن إذا وجد من حيث هو لم يكن مستحقًا لا للوجود ولا للعدم من ذاته فهذه الاستحقاقية مستحقة له من ذاته وأما الوجود فوارد عليه من الخارج فالوجود له كالثوب المستعار له وهو من حيث هو هو كالإنسان الفقير الذي استعار ثوبًا من رجل غني فإن الفقير لا يخرج بسبب ذلك عن كونه فقيرًا كذا الممكنات عارية عن الوجود من حيث هي هي وإنما الوجود ثوب حصل لها بالعارية فصح أنها أبدًا هالكة من حيث هي هي أما الذين حملوه على أنها ستعدم فقد احتجوا بأن قالوا الهلاك في اللغة له معنيان أحدهما خروج الشيء عن أن يكون منتفعًا به الثاني الفناء والعدم لا جائز حمل اللفظ على الأول لأن هلاكها بمعنى خروجها عن حد الانتفاع محال لأنها وإن تفرقت أجزاؤها فإنها منتفع بها لأن النفع المطلوب كونها بحيث يمكن أن يستدل بها على وجود الصانع القديم وهذه المنفعة باقية سواء بقيت متفرقة أو مجتمعة وسواء بقيت موجودة أو صارت معدومة وإذا تعذر حمل الهلاك على هذا الوجه وجب حمله على الفناء أجاب من حمل الهلاك على التفرق قال هلاك الشيء خروجه عن المنفعة التي يكون الشيء مطلوبًا لأجلها فإذا مات الإنسان قيل هلك لأن الصفة المطلوبة منه حياته وعقله وإذا تمزق الثوب قيل هلك لأن المقصود منه صلاحيته للبس فإذا تفرقت أجزاء العالم خرجت السموات والكواكب والجبال والبحار عن صفاتها التي لأجلها كانت منتفعًا بها انتفاعًا خاصًا فلا جرم صح إطلاق اسم الهالك عليها فأما صحة الاستدلال بها على الصانع سبحانه فهذه المنفعة ليست منفعة خاصة بالشمس من حيث هي شمس والقمر من حيث هو قمر فلم يلزم من بقائها أن لا يطلق عليها اسم الهالك ثم احتجوا على بقاء أجزاء العالم بقوله يَوْمَ تُبَدَّلُ الاْرْضُ غَيْرَ الاْرْضِ ( إبراهيم 48 ) وهذا صريح بأن تلك الأجزاء باقية إلا أنها صارت متصفة بصفة أخرى فهذا ما في هذا الموضع

المسألة الثانية احتج أهل التوحيد بهذه الآية على أن الله تعالى شيء قالوا لأنه استثنى من قوله كُلّ شَى ْء استثناء يخرج ما لولاه لوجب أو لصح دخوله تحت اللفظ فوجب كونه شيئًا يؤكده ما ذكرناه في سورة الأنعام وهو قوله قُلْ أَى ُّ شَى ْء أَكْبَرُ شَهَادة ً قُلِ اللَّهِ ( الأنعام 19 ) واحتجاجهم على أنه ليس بشيء بقوله لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَى ْء ( الشورى 11 ) والكاف معناه المثل فتقدير الآية ليس مثل مثله شيء ومثل مثل الله هو الله فوجب أن لا يكون الله شيئًا جوابه أن الكاف صلة زائدة

المسألة الثالثة استدلت المجسمة بهذه الآية على أن الله تعالى جسم من وجهين الأول قالوا الآية صريحة في إثبات الوجه وذلك يقتضي الجسمية والثاني قوله وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وكلمة إلى لانتهاء الغاية وذلك لا يعقل إلا في الأجسام والجواب لو صح هذا الكلام يلزم أن يفنى جميع أعضائه وأن لا يبقى منه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت