فهرس الكتاب

الصفحة 4742 من 6606

في العبادة حصول محبة الله كما ورد في الخبر ( لا يزال العبد يتقرب إلي بالعبادة حتى أحبه وكل من كان قلبه أشد امتلأ من محبة الله فهو أعظم درجة عند الله لكن للقلب ترجمان وهو اللسان وللسان مصدقات هي الأعضاء ولهذه المصدقات مزكيات فإذا قال الإنسان آمنت باللسان فقد ادعى محبة الله في الجنان فلا بد له من شهود فإذا استعمل الأركان في الاتيان بما عليه بنيان الإيمان حصل له على دعواه شهود مصدقات فإذا بذل في سبيل الله نفسه وماله وزكى بترك ما سواه أعماله زكى شهوده الذين صدقوه فيما قاله فيحرر في جرائد المحبين اسمه ويقرر في أقسام المقربين قسمه وإليه الإشارة بقوله أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ ءامَنَّا يعني أظنوا أن تقبل منهم دعواهم بلا شهود وشهودهم بلا مزكين بل لا بد من ذلك جميعه ليكونوا من المحبين

فائدة ثانية وهي أن أدنى درجات العبد أن يكون مسلمًا فإن ما دونه دركات الكفر فالإسلام أول درجة تحصل للعبد فإذا حصل له هذه المرتبة كتب اسمه وأثبت قسمه لكن المستخدمين عند الملوك على أقسام منهم من يكون ناهضًا في شغله ماضيًا في فعله فينقل من خدمة إلى خدمة أعلى منها مرتبة ومنهم من يكون كسلانًا متخلفًا فينقل من خدمة إلى خدمة أدنى منها ومنهم من يترك على شغله من غير تغيير ومنهم من يقطع رسمه ويمحى من الجرائد اسمه فكذلك عباد الله قد يكون المسلم عابدًا مقبلًا على العبادة مقبولًا للسعادة فينقل من مرتبة المؤمنين إلى درجة الموقنين وهي درجة المقربين ومنهم من يكون قليل الطاعة مشتغلًا بالخلاعة فينقل إلى مرتبة دونه وهي مرتبة العصاة ومنزلة القساة وقد يستصغر العيوب ويستكثر الذنوب فيخرج من العبادة محرومًا ويلحق بأهل العناد مرجومًا ومنهم من يبقى في أول درجة الجنة وهم البله فقال الله بشارة للمطيع الناهض أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ يعني أظنوا أنهم يتركون في أول المقامات لا بل ينقلون إلى أعلى الدرجات كما قال تعالى وَالَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ( المجادلة 11 ) فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَة ً ( النساء 95 ) وقال بضده للكسلان أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ ءامَنَّا يعني إذا قال آمنت ويتخلف بالعصيان يترك ويرضى منه لا بل ينقل إلى مقام أدنى وهو مقام العاصي أو الكافر

وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ

ذكر الله ما يوجب تسليتهم فقال كذلك فعل الله بمن قبلكم ولم يتركهم بمجرد قولهم مِنَ بل فرض عليهم الطاعات وأوجب عليهم وفي قوله فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُواْ وجوه الأول قول مقاتل فليرين الله الثاني فليظهرن الله الثالث فليميزن الله فالحاصل على هذا هو أن المفسرين ظنوا أن حمل الآية على ظاهرها يوجب تجدد علم الله والله عالم بالصادق والكاذب قبل الامتحان فكيف يمكن أن يقال بعلمه عند الامتحان فنقول الآية محمولة على ظاهرها وذلك أن علم الله صفة يظهر فيها كل ما هو واقع كما هو واقع فقبل التكليف كان الله يعلم أن زيدًا مثلا سيطيع وعمرًا سيعصي ثم وقت التكليف والاتيان يعلم أنه مطيع والآخر عاص وبعد الاتيان يعلم أنه أطاع والآخر عصى ولا يتغير علمه في شيء من الأحوال وإنما

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت