فهرس الكتاب
المتغير المعلوم ونبين هذا بمثال من الحسيات ولله المثل الأعلى وهو أن المرآة الصافية الصقيلة إذا علقت من موضع وقوبل بوجهها جهة ولم تحرك ثم عبر عليها زيد لابسًا ثوبًا أبيض ظهر فيها زيد في ثوب أبيض وإذا عبر عليها عمرو في لباس أصفر يظهر فيها كذلك فهل يقع في ذهن أحد أن المرآة في كونها حديدًا تغيرت أو يقع له أنها في تدويرها تبدلت أو يذهب فهمه إلى أنها في صقالتها اختلفت أو يخطر بباله أنها عن سكانها انتقلت لا يقع لأحد شيء من هذه الأشياء ويقطع بأن المتغير الخارجات فافهم علم الله من هذا المثال بل أعلى من هذا المثال فإن المرآة ممكنة التغير وعلم الله غير ممكن عليه ذلك فقوله فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُواْ يعني يقع ممن يعلم الله أن يطيع الطاعة فيعلم أنه مطيع بذلك العلم وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ يعني من قال أنا مؤمن وكان صادقًا عند فرض العبادات يظهر منه ذلك ويعلم ومن قال ذلك وكان منافقًا كذلك يبين وفي قوله الَّذِينَ صَدَقُوا بصيغة الفعل وقوله الْكَاذِبِينَ باسم الفاعل فائدة مع أن الاختلاف في اللفظ أدل على الفصاحة وهي أن اسم الفاعل يدل في كثير من المواضع على ثبوت المصدر في الفاعل ورسوخه فيه والفعل الماضي لا يدل عليه كما يقال فلان شرب الخمر وفلان شارب الخمر وفلان نفذ أمره وفلان نافذ الأمر فإنه لا يفهم من صيغة الفعل التكرار والرسوخ ومن اسم الفاعل يفهم ذلك إذا ثبت هذا فنقول وقت نزول الآية كانت الحكاية عن قوم قريبي العهد بالإسلام في أوائل ايجاب التكاليف وعن قوم مستديمين للكفر مستمرين عليه فقال في حق المؤمنين الَّذِينَ صَدَقُوا بصيغة الفعل أي وجد منهم الصدق وقال في حق الكافر الْكَاذِبِينَ بالصيغة المنبئة عن الثبات والدوام ولهذا قال يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ ( المائدة 119 ) بلفظ اسم الفاعل وذلك لأن في اليوم المذكور الصدق قد يرسخ في قلب المؤمن وهو اليوم الآخر ولا كذلك في أوائل الإسلام
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ مَن كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
لما بين حسن التكليف بقوله أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ بين أن من كلف بشيء ولم يأت به يعذب وإن لم يعذب في الحال فسيعذب في الإستقبال ولا يفوت الله شيء في الحال ولا في المآل وهذا إبطال مذهب من يقول التكاليف إرشادات والإيعاد عليه ترغيب وترهيب ولا يوجد من الله تعذيب ولو كان يعذب ما كان عاجزًا عن العذاب عاجلًا فلم كان يؤخر العقاب فقال تعالى أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ السَّيّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا يعني ليس كما قالوا بل يعذب من يعذب ويثيب من يثيب بحكم الوعد والإيعاد والله لا يخلف الميعاد وأما الإمهال فلا يفضي إلى الإهمال والتعجيل في جزاء الأعمال شغل من يخاف الفوت لولا الإستعجال
ثم قال تعالى سَاء مَا يَحْكُمُونَ يعني حكمهم بأنهم يعصون ويخالفون أمر الله ولا يعاقبون حكم سيء فإن الحكم الحسن لا يكون إلا حكم العقل أو حكم الشرع والعقل لا يحكم على الله بذلك فإن الله له أن يفعل ما يريد والشرع حكمه بخلاف ما قالوه فحكمهم حكم في غاية السوء والرداءة