فهرس الكتاب
المسألة الأولى قال لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا نكرة وقال فَابْتَغُواْ عِندَ اللَّهِ الرّزْقَ معرفًا فما الفائدة فنقول قال الزمخشري قال لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا نكرة في معرض النفي أي لا رزق عندهم أصلًا وقال معرفة عند الإثبات عند الله أي كل الرزق عنده فاطلبوه منه وفيه وجه آخر وهو أن الرزق من الله معروف بقوله وَمَا مِن دَابَّة ٍ فِي الاْرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا ( هود 6 ) والرزق من الأوثان غير معلوم فقال لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا لعدم حصول العلم به وقال فَابْتَغُواْ عِندَ اللَّهِ الرّزْقَ الموعود به ثم قال فَاعْبُدُوهُ أي اعبدوه لكونه مستحقًا للعبادة لذاته واشكروا له أي لكونه سابق النعم بالخلق وواصلها بالرزق وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ أي اعبدوه لكونه مرجعًا منه يتوقع الخير لا غير
وَإِن تُكَذِّبُواْ فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِّن قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ
لما فرغ من بيان التوحيد أتى بعده بالتهديد فقال وَإِن تُكَذّبُواْ وفي المخاطب في هذه الآية وجهان أحدهما أنه قوم إبراهيم والآية حكاية عن قوم إبراهيم كأن إبراهيم قال لقومه ءانٍ تُكَذّبُواْ فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مّن قَبْلِكُمْ وأنا أتيت بما علي من التبليغ فإن الرسول ليس عليه إلا البلاغ والبيان والثاني أنه خطاب مع قوم محمد عليه السلام ووجهه أن الحكايات أكثرها إنما تكون لمقاصد لكنها تنسى لطيب الحكاية ولهذا كثيرًا ما يقول الحاكي لأي شيء حكيت هذه الحكاية فالنبي عليه السلام كان مقصوده تذكير قومه بحال من مضى حتى يمتنعوا من التكذيب ويرتدعوا خوفًا من التعذيب فقال في أثناء حكايتهم يا قوم إن تكذبوا فقد كذب قبلكم أقوام وأهلكوا فإن كذبتم أخاف عليكم ما جاء على غيركم وعلى الوجه الأول في الآية مسائل
المسألة الأولى أن قوله فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ كيف يفهم مع أن إبراهيم لم يسبقه إلا قوم نوح وهم أمة واحدة والجواب عنه من وجهين أحدهما أن قبل نوح كان أقوام كقوم إدريس وقوم شيث وآدم والثاني أن نوحًا عاش ألفًا وأكثر وكان القرن يموت ويجيء أولاده والآباء يوصون الأبناء بالامتناع عن الاتباع فكفى بقوم نوح أممًا
المسألة الثانية ما الْبَلَاغُ وما الْمُبِينُ فنقول البلاغ هو ذكر المسائل والإبانة هي إقامة البرهان عليه
المسألة الثالثة الآية تدل على أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز لأن الرسول إذا بلغ شيئًا ولم يبينه فإنه لم يأت بالبلاغ المبين فلا يكون آتيًا بما عليه
أَوَلَمْ يَرَوْاْ كَيْفَ يُبْدِى ءُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذالِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ
لما بين الأصل الأول وهو التوحيد وأشار إلى الأصل الثاني وهو الرسالة بقوله وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ شرع في بيان الأصل الثالث وهو الحشر وقد ذكرنا مرارًا أن الأصول الثلاثة لا يكاد ينفصل بعضها عن بعض في الذكر الإلهي فأينما يذكر الله تعالى منها اثنين يذكر الثالث وفي الآية مسائل
المسألة الأولى الإنسان متى رأى بدء الخلق حتى يقال أَوَ لَمْ يَرَوْاْ كَيْفَ يُبْدِىء اللَّهُ فنقول المراد العلم الواضح الذي كالرؤية والعاقل بعلم أن البدء من الله لأن الخلق الأول لا يكون من مخلوق وإلا لما كان الخلق الأول خلقًا أول فهو من الله هذا إن قلنا إن المراد إثبات نفس الخلق وإن قلنا إن المراد بالبدء خلق الآدمي أولًا وبالإعادة خلق ثانيًا فنقول العاقل لا يخفى عليه أن خالق نفسه ليس إلا قادر حكيم يصور الأولاد في الأرحام ويخلقه من نطفة في غاية الإتقان والإحكام فذلك الذي خلق أولًا معلوم ظاهر فأطلق على ذلك العلم لفظ الرؤية وقال أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أي ألم يعلموا علمًا ظاهرًا واضحًا كَيْفَ يُبْدِىء اللَّهُ الْخَلْقَ يخلقه من تراب يجمعه فكذبك يجمع أجزاءه من التراب ينفخ فيه روحه بل هو أسهل بالنسبة إليكم فإن من نحت حجارات ووضع شيئًا بجنب شيء ففرقه أمر ما فإنه يقول وضعه شيئًا بجنب شيء في هذه النوبة أسهل علي لأن الحجارات منحوتة ومعلوم أن آية واحدة منها تصلح لأن تكون بجنب الأخرى وعلى هذا المخرج خرج كلام الله في قوله وَهُوَ أَهْوَنُ ( الروم 27 ) وإليه الإشارة بقوله إِنَّ ذالِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ
المسألة الثانية قال أَوَ لَمْ يَرَوْاْ كَيْفَ يُبْدِىء اللَّهُ الْخَلْقَ علق الرؤية بالكيفية لا بالخلق وما قال أو لم يروا أن الله خلق أو بدأ الخلق والكيفية غير معلومة فنقول هذا القدر من الكيفية معلوم وهو أنه خلقه ولم يكن شيئًا مذكورًا وأنه خلقه من نطفة هي من غذاء هو من ماء وتراب وهذا القدر كاف في حصول العلم بإمكان الإعادة فإن الإعادة مثله