فهرس الكتاب
كانوا يجادلون فيها ويشوشون وجه الدلالة على المتأملين فيها بسبب إلقاء الشبهات فهذا هو المراد بقوله وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ فهو المذكور في قوله وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ الْحَقَّ ( غافر 5 ) أما قوله وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ أي تعلمون ما في إضلال الخلق من الضرر العظيم العائد عليكم يوم القيامة وذلك لأن ذلك التلبيس صار صارفًا للخلق عن قبول الحق إلى يوم القيامة وداعيًا لهم إلى الاستمرار على الباطل إلى يوم القيامة ولا شك في أن موقعه عظيم وهذا الخطاب وإن ورد فيهم فهو تنبيه لسائر الخلق وتحذير من مثله فصار الخطاب وإن كان خاصًا في الصورة لكنه عام في المعنى ثم ههنا بحثان
البحث الأول قوله وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ جزم داخل تحت حكم النهي بمعنى ولا تكتموا أو منصوب بإضمار أن
البحث الثاني أن النهي عن اللبس والكتمان وإن تقيد بالعلم فلا يدل على جوازهما حال عدم العلم وذلك لأنه إذا لم يعلم حال الشيء لم يعلم أن ذلك اللبس والكتمان حق أ وباطل وما لا يعرف كونه حقًا أو باطلًا لا يجوز الإقدام عليه بالنفي ولا بالإثبات بل يجب التوقف فيه وسبب ذلك التقييد أن الإقدام على الفعل الضار مع العلم بكونه ضارًا أفحش من الإقدام عليه عند الجهل بكونه ضارًا فلما كانوا عالمين بما في التلبيس من المفاسد كان إقدامهم عليه أقبح والآية دالة على أن العالم بالحق يجب عليه إظهاره ويحرم عليه كتمانه والله أعلم
وَأَقِيمُواْ الصَّلواة َ وَآتُواْ الزَّكَواة َ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَواة ِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَة ٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ يَابَنِى إِسْرَاءِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِى الَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ
اعلم أن الله سبحانه وتعالى لما أمرهم بالإيمان أولًا ثم نهاهم عن لبس الحق بالباطل وكتمان دلائل النبوة ثانيًا ذكر بعد ذلك بيان ما لزمهم من الشرائع وذكر من جملة الشرائع ما كان كالمقدم والأصل فيها وهو الصلاة التي هي أعظم العبادات البدنية والزكاة التي هي أعظم العبادات المالية وههنا مسائل
المسألة الأولى القائلون بأنه لا يجوز تأخير بيان المجمل عن وقت الخطاب قالوا إنما جاء الخطاب في قوله وَإِذْ أَخَذْنَا بعد أن كان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وصف لهم أركان الصلاة وشرائطها فكأنه تعالى قال وأقيموا الصلاة التي عرفتموها والقائلون بجواز التأخير قالوا يجوز أن يراد الأمر بالصلاة وإن كانوا لا يعرفون أن الصلاة ما هي ويكون المقصود أن يوطن السامع نفسه على الامتثال وإن كان لا يعلم أن المأمور به ما هو كما أنه لا نزاع في أن يحسن من السيد أن يقول لعبده إني آمرك غدًا بشيء فلا بد وأن تفعله ويكون غرضه منه بأن يعزم العبد في الحال على أدائه في الوقت الثاني
المسألة الثانية قالت المعتزلة الصلاة من الأسماء الشرعية قالوا لأنها أمر حدث في الشرع فاستحال أن يكون الاسم الموضوع قد كان حاصلًا قبل الشرع ثم اختلفوا في وجه التشبيه فقال بعضهم أصلها في اللغة الدعاء قال الأعشى