فهرس الكتاب

الصفحة 476 من 6606

الله ( صلى الله عليه وسلم ) صفته ورابعها قال المبرد هذا الكلام خطاب لقوم خوطبوا به قبل غيرهم فقيل لهم لا تكفروا بمحمد فإنه سيكون بعدكم الكفار فلا تكونوا أنتم أول الكفار لأن هذه الأولية موجبة لمزيد الإثم وذلك لأنهم إذا سبقوا إلى الكفر فإما أن يقتدي بهم غيرهم في ذلك الكفر أو لا يكون كذلك فإن اقتدى بهم غيرهم في ذلك الكفر كان لهم وزر ذلك الكفر ووزر كل من كفر إلى يوم القيامة وإن لم يقتد بهم غيرهم اجتمع عليهم أمران أحدهما السبق إلى الكفر والثاني التفرد به ولا شك في أنه منقصة عظيمة فقوله وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ إشارة إلى هذا المعنى

أما قوله وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا فقد بينا في قوله أُوْلَائِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الضَّلَالَة َ بِالْهُدَى ( البقرة 16 ) أن الاشتراء يوضع موضع الاستبدال فكذا الثمن يوضع موضع البدل عن الشيء والعوض عنه فإذا اختير على ثواب الله شيء من الدنيا فقد جعل ذلك الشيء ثمنًا عند فاعله قال ابن عباس رضي الله عنهما إن رؤساء اليهود مثل كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب وأمثالهما كانوا يأخذون من فقراء اليهود الهدايا وعلموا أنهم لو اتبعوا محمدًا لانقطعت عنهم تلك الهدايا فأصروا على الكفر لئلا ينقطع عنهم ذلك القدر المحقر وذلك لأن الدنيا كلها بالنسبة إلى الدين قليلة جدًا فنسبتها إليه نسبة المتناهي إلى غير المتناهي ثم تلك الهدايا كانت في نهاية القلة بالنسبة إلى الدنيا فالقليل جدًا من القليل جدًا أي نسبة له إلى الكثير الذي لا يتناهى واعلم أن هذا النهي صحيح سواء كان فيهم من فعل ذلك أو لم يكن بل لو ثبت أن علماءهم كانوا يأخذون الرشا على كتمان أمر الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) وتحريف ما يدل على ذلك من التوراة كان الكلام أبين وأما قوله وَإِيَّاى َ فَاتَّقُونِ فيقرب معناه مما تقدم من قوله وَإِيَّاى َ فَارْهَبُونِ والفرق أن الرهبة عبارة عن الخوف وأما الاتقاء فإنما يحتاج إليه عند الجزم بحصول ما يتقي منه فكأنه تعالى أمرهم بالرهبة لأجل أن جواز العقاب قائم ثم أمرهم بالتقوى لأن تعين العقاب قائم

وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ

أعلم أن قوله سبحانه وَءامِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ أمر بترك الكفر والضلال وقوله وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ أمر بترك الإغراء والإضلال واعلم أن إضلال الغير لا يحصل إلا بطريقين وذلك لأن ذلك الغير إن كان قد سمع دلائل الحق فإضلاله لا يمكن إلا بتشويش تلك الدلائل عليه وإن كان ما سمعها فإضلاله إنما يمكن بإخفاء تلك الدلائل عنه ومنعه من الوصول إليها فقوله وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ إشارة إلى القسم الأول وهو تشويش الدلائل عليه وقوله وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ إشارة إلى القسم الثاني وهو منعه من الوصول إلى الدلائل واعلم أن الأظهر في الباء التي في قوله بِالْبَاطِلِ أنها باء الاستعانة كالتي في قولك كتبت بالقلم والمعنى ولا تلبسوا الحق بسبب الشبهات التي توردونها على السامعين وذلك لأن النصوص الواردة في التوراة والإنجيل في أمر محمد عليكم كانت نصوصًا خفية يحتاج في معرفتها إلى الاستدلال ثم إنهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت