فهرس الكتاب

الصفحة 4773 من 6606

لما أتم الحكاية الثانية على وجه الاختصار لفائدة الاعتبار شرع في الثالثة وقال وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ واختلف المفسرون في مدين فقال بعضهم إنه اسم رجل في الأصل وحصل له ذرية فاشتهر في القبيلة كتميم وقيس وغيرهما وقال بعضهم اسم ماء نسب القوم إليه واشتهر في القوم والأول كأنه أصح وذلك لأن الله أضاف الماء إلى مدين حيث قال وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ ( القصص 23 ) ولو كان اسمًا للماء لكانت الإضافة غير صحيحة أو غير حقيقة والأصل في الإضافة التغاير حقيقة وقوله أَخَاهُمْ قيل لأن شعيبًا كان منهم نسبًا وفي الآية مسائل

المسألة الأولى قال الله تعالى في نوح وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ ( العنبكوت 14 ) قدم نوحًا في الذكر وعرف القوم بالإضافة إليه وكذلك في إبراهيم ولوط وههنا ذكر القوم أولًا وأضاف إليهم أخاهم شعيبًا فنقول الأصل في جميع المواضع أن يذكر القوم ثم يذكر رسولهم لأن المرسل لا يبعث رسولًا إلى غير معين وإنما يحصل قوم أو شخص يحتاجون إلى إنباء من المرسل فيرسل إليهم من يختاره غير أن قوم نوح وإبراهيم ولوط لم يكن لهم اسم خاص ولا نسبة مخصوصة يعرفون بها فعرفوا بالنبي فقيل قوم نوح وقوم لوط وأما قوم شعيب وهود وصالح فكان لهم نسب معلوم اشتهروا به عند الناس فجرى الكلام على أصله وقال الله وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا وقال وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا ( الأعراف 65 )

المسألة الثانية لم يذكر عن لوط أنه أمر قومه بالعبادة والتوحيد وذكر عن شعيب ذلك قلنا قد ذكرنا أن لوطًا كان له قوم وهو كان من قوم إبراهيم وفي زمانه وإبراهيم سبقه بذلك واجتهد فيه حتى اشتهر الأمر بالتوحيد عند الخلق من إبراهيم فلم يذكره عن لوط وإنما ذكر منه ما اختص به من المنع عن الفاحشة وغيرها وإن كان هو أيضًا يأمر بالتوحيد إذ ما من رسول إلا ويكون أكثر كلامه في التوحيد وأما شعيب فكان بعد انقراض القوم فكان هو أصلًا أيضًا في التوحيد فدأبه وقال اعْبُدُواْ اللَّهَ

المسألة الثالثة الإيمان لا يتم إلا بالتوحيد والأمر بالعبادة لا يفيده لأن من يعبد الله ويعبد غيره فهو مشرك فكيف اقتصر على قوله اعْبُدُواْ اللَّهَ فنقول هذا الأمر يفيد التوحيد وذلك لأن من يرى غيره يخدم زيدًا وعمرو هناك وهو أكبر أو هو سيد زيد فإذا قال له أخدم عمرًا يفهم منه أنه يأمره بصرف الخدمة إليه وكذا إذا كان لواحد دينار واحد وهو يريد أن يعطيه زيدًا فإذا قيل له أعطه عمرًا يفهم منه لا تعطه زيدًا فنقول هم كانوا مشتغلين بعبادة غير الله والله مالك ذلك الغير فقال لهم شعيب اعْبُدُواْ اللَّهَ ففهموا منه ترك عبادة غيره أو نقول لكل واحد نفس واحدة ويريد وضعها في عبادة غير الله فقال لهم شعيب ضعوها في موضعها وهو عبادة الله ففهم منه التوحيد ثم قال وَارْجُواْ الْيَوْمَ الاْخِرَ قال الزمخشري معناه افعلوا ما ترجون به العاقبة إذ قد يقول القائل لغيره كن عاقلًا ويكون معناه افعل فعل من يكون عاقلًا وقوله وَارْجُواْ الْيَوْمَ الاْخِرَ فيه مسائل

المسألة الأولى هذا يدل على صحة مذهبنا فإن عندنا من عبد الله طول عمره يثيبه الله تفضلًا ولا يجب عليه ذلك لأن العابد قد وصل إليه من النعم ما لو زاد على ما أتى به لما خرج عن عهدة الشكر ومن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت