فهرس الكتاب

الصفحة 483 من 6606

أما قوله تعالى وإنها ففي هذا الضمير وجوه أحدها الضمير عائد إلى الصلاة أي صلاة ثقيلة إلا على الخاشعين وثانيها الضمير عائد إلى الاستعانة التي يدل عليها قوله واستعينوا وثالثها أنه عائد إلى جميع الأمور التي أمر بها بنو إسرائيل ونهوا عنها من قوله واذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم إلى قوله واستعينوا والعرب قد تضمر الشيء اختصارا أو تقتصر فيه على الإيماء إذا وثقت بعلم المخاطب فيقول القائل ما عليها أفضل من فلان يعني الأرض ويقلون ما بين لابتيها أكرم من فلان يعنون المدينة وقال تعالى ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة النحل 61 ولا ذكر للأرض أما قوله لكبيرة أي لشاقة ثقيلة على هؤلاء سهلة على الخاشعين فيجب أن يكون ثوابهم أكثر وثواب الخاشع أقل وذلك منكر من القول قلنا ليس المراد أن الذي يلحقهم من التعب أكثر مما يلحق الخاشع وكيف يكون ذلك والخاشع يستعمل عند الصلاة جوارحه وقلبه وسمعه وبصره ولا يغفل عن تدبر ما يأتي به من الذكر والتذلل والخشوع وإذ تذكر الوعيد لم يخل من حسرة وغم وإذا ذكر الوعد فكمثل ذلك وإذا كان هذا فعل الخاشع فالثقل عليه بفعل الصلاة أعظم وإنما المراد بقوله وإنها ثقيلة على من لم يخشع أنه من حيث لا يعتقد في فعلها ثوابا ولا في تركها عقابا فيصعب عليه فعلها

فالحاصل أن الملحد إذا لم يعتقد في فعلها منفعة ثقل عليه فعلها لأن الاشتغال بما لا فائدة فيه يثقل على الطبع أما الموحد فلما اعتقد في فعلها أعظم المنافع وفي تركها أعظم المضار لم يثقل ذلك عليه لما يعتقد في فعله من الثواب والفوز العظيم بالنعيم المقيم والخلاص من العذاب الأليم ألا ترى إلى قوله الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم أي يتوقعون نيل ثوابه والخلاص من العذاب الأليم ألا ترى إلى قوله والذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم أي يتوقعون نيل ثوابه والخلاص من عقابه مثاله إذا قيل للمريض كل هذا الشيء المر فإن اعتقد أنه له فيه شفاء سهل ذلك عليه وإن لم يعتقد ذلك فيه صعب الأمر عليه وعليه يحمل قوله عليه الصلاة والسلام { وجعلت قرة عيني في الصلاة } وصف الصلاة بذلك للوجوه التي ذكرناها لا لأنها كانت تثقل عليه وكيف وكان عليه الصلاة والسلام يصلي حتى تورمت قدماه وأما الخشوع فهو التذلل والخضوع أما قوله الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم فللمفسرين فيه قولان

القول الأول أن الظن بمعنى العلم قالوا لأن الظن وهو الاعتقاد الذي يقارنه تجويز النقيض يقتضي أن يكون صاحبه غير جازم بيوم القيامة وذلك كفر والله تعالى مدح على هذا الظن والمدح على الكفر غير جائز فوجب أن يكون المراد من الظن ههنا العلم وسبب هذا المجاز أن العلم والظن يشتركان في كون كل واحد منهما اعتقادا راجحا إلا أن العلم راجح مانع من النقيض والظن راجح غير مانع من النقيض فلما اشتبها من هذا الوجه صح إطلاق اسم أحدهما على الآخر قال أوس بن حجر فأرسلته مستيقن الظن أنه

مخالط ما بين الشراسيف خائف

وقال تعالى إني ظننت أني ملاق حسابيه الحاقة 20 وقال ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون المطففين 4 ذكر الله تعالى ذلك إنكارا عليهم وبعثا على الظن ولا يجوز أن يبعثهم على الاعتقاد المجوز للنقيض فثبت أن المراد بالظن ههنا العلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت