فهرس الكتاب
أما قوله تعالى وإنها ففي هذا الضمير وجوه أحدها الضمير عائد إلى الصلاة أي صلاة ثقيلة إلا على الخاشعين وثانيها الضمير عائد إلى الاستعانة التي يدل عليها قوله واستعينوا وثالثها أنه عائد إلى جميع الأمور التي أمر بها بنو إسرائيل ونهوا عنها من قوله واذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم إلى قوله واستعينوا والعرب قد تضمر الشيء اختصارا أو تقتصر فيه على الإيماء إذا وثقت بعلم المخاطب فيقول القائل ما عليها أفضل من فلان يعني الأرض ويقلون ما بين لابتيها أكرم من فلان يعنون المدينة وقال تعالى ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة النحل 61 ولا ذكر للأرض أما قوله لكبيرة أي لشاقة ثقيلة على هؤلاء سهلة على الخاشعين فيجب أن يكون ثوابهم أكثر وثواب الخاشع أقل وذلك منكر من القول قلنا ليس المراد أن الذي يلحقهم من التعب أكثر مما يلحق الخاشع وكيف يكون ذلك والخاشع يستعمل عند الصلاة جوارحه وقلبه وسمعه وبصره ولا يغفل عن تدبر ما يأتي به من الذكر والتذلل والخشوع وإذ تذكر الوعيد لم يخل من حسرة وغم وإذا ذكر الوعد فكمثل ذلك وإذا كان هذا فعل الخاشع فالثقل عليه بفعل الصلاة أعظم وإنما المراد بقوله وإنها ثقيلة على من لم يخشع أنه من حيث لا يعتقد في فعلها ثوابا ولا في تركها عقابا فيصعب عليه فعلها
فالحاصل أن الملحد إذا لم يعتقد في فعلها منفعة ثقل عليه فعلها لأن الاشتغال بما لا فائدة فيه يثقل على الطبع أما الموحد فلما اعتقد في فعلها أعظم المنافع وفي تركها أعظم المضار لم يثقل ذلك عليه لما يعتقد في فعله من الثواب والفوز العظيم بالنعيم المقيم والخلاص من العذاب الأليم ألا ترى إلى قوله الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم أي يتوقعون نيل ثوابه والخلاص من العذاب الأليم ألا ترى إلى قوله والذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم أي يتوقعون نيل ثوابه والخلاص من عقابه مثاله إذا قيل للمريض كل هذا الشيء المر فإن اعتقد أنه له فيه شفاء سهل ذلك عليه وإن لم يعتقد ذلك فيه صعب الأمر عليه وعليه يحمل قوله عليه الصلاة والسلام { وجعلت قرة عيني في الصلاة } وصف الصلاة بذلك للوجوه التي ذكرناها لا لأنها كانت تثقل عليه وكيف وكان عليه الصلاة والسلام يصلي حتى تورمت قدماه وأما الخشوع فهو التذلل والخضوع أما قوله الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم فللمفسرين فيه قولان
القول الأول أن الظن بمعنى العلم قالوا لأن الظن وهو الاعتقاد الذي يقارنه تجويز النقيض يقتضي أن يكون صاحبه غير جازم بيوم القيامة وذلك كفر والله تعالى مدح على هذا الظن والمدح على الكفر غير جائز فوجب أن يكون المراد من الظن ههنا العلم وسبب هذا المجاز أن العلم والظن يشتركان في كون كل واحد منهما اعتقادا راجحا إلا أن العلم راجح مانع من النقيض والظن راجح غير مانع من النقيض فلما اشتبها من هذا الوجه صح إطلاق اسم أحدهما على الآخر قال أوس بن حجر فأرسلته مستيقن الظن أنه
مخالط ما بين الشراسيف خائف
وقال تعالى إني ظننت أني ملاق حسابيه الحاقة 20 وقال ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون المطففين 4 ذكر الله تعالى ذلك إنكارا عليهم وبعثا على الظن ولا يجوز أن يبعثهم على الاعتقاد المجوز للنقيض فثبت أن المراد بالظن ههنا العلم