فهرس الكتاب
القول الثاني أن يحمل اللفظ على ظاهره وهو الظن الحقيقي ثم ههنا وجوه الأول أن تجعل ملاقاة الرب مجازا عن الموت وذلك لأن ملاقاة الرب مسبب عن الموت فأطلق المسبب والمراد منه السبب وهذا مجاز مشهور فإنه يقال لمن مات إنه لقي ربه إذ ثبت هذا فنقول وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين الذين يظنون الموت في كل لحظة وذلك لأن كل من كان متوقعا للموت في كل لحظة فإنه لا يفارق قلبه الخشوع فهم يبادرون إلى التوبة لأن خوف الموت مما يقوي دواعي التوبة مع خشوعه لا بد في كل حال من أن لا يأمن تقصيرا جرى منه فيلزمه التلافي فإذا كان حاله ما ذكرنا كان ذلك داعيا له إلى المبادرة إلى التوبة الثاني أن تفسر ملاقاة ثواب الرب وذلك مظنون لا معلوم فإن الزهد العابد لا يقطع بكونه ملاقيا لثواب الله بل يظن إلا أن ذلك الظن مما يحمله على كمال الخشوع الثالث المعنى الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم بذنوبهم فإن الإنسان الخاشع قد يسيء ظنه بنفسه وبأعماله فيغلب على ظنه أنه يلقى الله تعالى بذنوبه فعند ذلك يسارع إلى التوبة وذلك من صفات المدح بقي هنا مسألتان
المسألة الأولى استدل بعض الأصحاب بقوله ملاقوا ربهم على جواز رؤية الله تعالى وقالت المعتزلة لفظ اللقاء لا يفيد الرؤية والدليل عليه الآية والخبر والعرف أما الآية فقوله تعالى فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه الفرقان 68 والمنافق لا يرى ربه وقال ومن يفعل ذلك يلق آثاما الفرقان 68 وقال تعالى في معرض التهديد واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه البقرة 223 فهذا يتناول الكافر والمؤمن والرؤية لا تثبت للكافر فعلمنا أن اللقاء ليس عبارة عن الرؤية وأما الخبر فقوله عليه السلام { من حلف على يمين ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان } وليس المراد رأى الله تعالى لأن ذلك وصف أهل النار وأما العرف فهو قول المسلمين فيمن مات لقي الله ولا يعنون أنه رأى الله عز وجل وأيضا فاللقاء يراد به القرب ممن يلقاه على زجه يزول الحجاب بينهما ولذلك يقول الرجل إذا حجب عن الأمير ما لقيته بعد وإن كان قد رآه وإذا أذن له في الدخول عليه يقول لقيته وإن كان ضريرا ويقال لقي فلان جهدا شديدا ولقيت من فلان الداهية ولاقى فلان حمامه وكل ذلك يدل على أن اللقاء ليس عبارة عن الرؤية ويدل عليه أيضا قوله تعالى فالتقى الماء على أمر قد قدر القمر 12 وهذا إنما يصح في حق الجسم ولا يصح على الله تعالى
قال الأصحاب اللقاء في أصل اللغة عبارة عن وصول أحد الجسمين إلى الآخر بحيث يماسه بمسطحة يقال لقي هذا ذاك إذا ماسه واتصل به ولما كانت الملاقاة بين الجنسين المدركين سببا لحصول الإدراك فحيث يمتنع إجراء اللفظ على المماسة وجب حمله على الإدراك لأن إطلاق لفظ السبب على المسبب من أقوى وجوه المجاز فثبت أنه يجب حمله لفظ اللقاء على الإدراك أكثر ما في الباب أنه ترك هذا المعنى في بعض الصور لدليل يخصه فوجب إجراؤه على الإدراك في البواقي وعلى هذا التقرير زالت السؤالات أما قوله فاعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه التوبة 77 والمنافق لا يرى ربه قلنا فلأجل هذه الضرورة ففي هذا الموضع لما اضطررنا إليه اعتبرناه وأما في قوله تعالى أنهم ملاقوا ربهم لا ضرورة في صرف اللفظ عن ظاهره ولا في إضمار هذه الزيادة فلا جرم وجب تعليق اللقاء بالله